22‏/07‏/2026

قراءة لـقصيدة ( آخر كلام ) لـ عبد العزيز بن شداد

 هذا النص تجربة شعرية ناضجة، تنتمي إلى عيون "شعر الحكمة والتأمل"، حيث تلبس القصيدة ثوباً فلسفياً يعالج صراعات النفس البشرية بين الوعي والغفلة، والشوق والكرامة.


نص القصيدة
للمتأمل الشاعر: عبد العزيز بن شداد الحيسوني الحربي
مابين مغرِب شمس و شروقها فروق
عند الذي ساوَىٰ إنتباهه سباته
متى يفيق مغيَّب العقل مسروق
متى يعُود و يستلِذ بحياته
شيءٍ يسوقه في طريق الخطر سَوْق
أخاف يلحقني و أسوّي سُواته
أعراضي أعراضه بتشخيص موثوق
بأسباب من تشبه حياتي حياته
يشدّني لزيارته لاعج الشَّوْق
و يهدّني عند الوداع إلتفاتَة
و يردّني عن كثْر رَوْحَاتي الذَّوْق
و يصدّني عن بعض الأشياء الشماتة
حَار الكلام و مخرج الصوت مخنوق
والبَوْح للعينين يكتب وصاته
وإن طاحت العَبْرَة رفعت النظر فوق
لا يَفضَح الدمع الحبيس إنفلاتِه
و الدمع ما يَنفع ولا يطفي حروق
وَ لا يجمَع الشمل إن تبيّن شتاته
ما كل عارض لو به رعود و بروق
يفرَح به الوادي و يزهِر نباته
و آخِر كلام و مختصَر كل منطوق 
ما يندَم العاقل على شيء فاتِه
القراءة النقدية التحليلية
1. المدخل الفلسفي (جدلية الوعي والزمن)
يبدأ الشاعر بنية ذهنية عميقة تُحاكم "الوعي الإنساني":
  • فلسفة الزمن: يطرح مطلع القصيدة تساؤلاً حول قيمة الزمن (بين المغرب والشروق)؛ فالزمن يكتسب قيمته من وعي الإنسان به. أما الذي استوى عنده الانتباه والسبات، فقد سقط في "الموت السريري للوعي".
  • المحاكاة والعدوى السلوكية: يتجلى البُعد الفلسفي في خوف الشاعر من "العدوى الإنسانية" (أخاف يلحقني وأسوّي سواته). هو يرى شبيهاً له يساق نحو خطر معنوي، والخطورة تكمن في أن المشاعر الإنسانية مُعدية، والوقوع في الغفلة قد يكون مصيراً حتمياً لمن يربط حياته بحياة الآخرين.
2. الأبعاد النفسية (صراع العاطفة والكرامة)
النص عبارة عن تشريح دقيق لـ "سيكولوجية الكبرياء":
  • التماهي والمقاومة: يعترف الشاعر بتطابق حالته مع الطرف الآخر (أعراضي أعراضه)، وهي مكاشفة نفسية شجاعة.
  • مصفوفة الدوافع والموانع: يرصد البيت الخامس والسادس أدق صراعات النفس؛ فالدافع هو "لاعج الشوق"، والمانع هو "الذوق" و"خوف الشماتة". هنا تتدخل الأنا العليا لتقمع الاندفاع العاطفي حمايةً لكرامة الذات.
  • التكنيك الدفاعي لكبح البكاء: في البيت الثامن (وإن طاحت العبرة رفعت النظر فوق)، يصف الشاعر بدقة سلوكاً سايكولوجياً دفاعياً؛ فرؤية الدمع يسقط تعني الانكسار، واللجوء إلى حركة فيزيائية (رفع النظر للأعلى) هي محاولة جسدية قسرية لإعادة الدمع إلى مآقيه وتفادي الفضيحة العاطفية أمام الطرف الآخر.
3. الجماليات البلاغية (هندسة المعنى)
استخدم الشاعر أدوات بلاغية خدمت الفكرة دون تكلّف:
  • الطباق المقابل: (مغرب - شروق)، (انتباهه - سباته)، (رعود وبروق - يزهِر نباته). هذا التضاد يجسد حالة التمزق الداخلي التي يعيشها الشاعر.
  • الجناس والاشتقاق: (يسوقه.. سَوْق)، (أعراضي أعراضه)، (حياتي حياته)، يعطي النص إحكاماً لغوياً يشد أزر المعنى.
  • الاستعارة والتمثيل البليغ: يبرز البيت الما قبل الأخير (ما كل عارض لو به رعود وبروق...) كصورة تمثيلية رائعة. فالرعد والبرق (الظواهر البراقة والأمل الكاذب) قد تكون مدمّرة ولا تروي ظمأ الوادي. وهو إسقاط بليغ على العلاقات أو الوعود التي تبدو جميلة لكنها خالية من النفع.
4. البنية الموسيقية (هارموني الأفعال والسجع الداخلي)
امتازت القصيدة بجرس موسيقي داخلي آسر، تخلت فيه عن الرتابة بفضل التوظيف الذكي للجمل الفعلية المتلاحقة:
  • السجع التناظري: تظهر الموسيقى الداخلية بوضوح في تقفية الأفعال (يهدّني، يردّني، يصدّني) على طول الأبيات (الخامس والسادس). هذا التناظر الصوتي بين الأفعال الثلاثة المنتهية بـ (النون والياء المشددة) خلق إيقاعاً متوازياً يعكس ترددات الصراع الداخلي.
  • ديناميكية الحركة والصَّد: هذه الأفعال المسجوعة لم تكن للزينة، بل دارت في فلك ميكانيكية الحركة؛ ففعل (يهدّني) يمثل الانكسار العاطفي أمام الوداع، ليأتي بعده مباشرة فعلا (يردّني) و(يصدّني) كأفعال دفاعية تعيد التوازن والكرامة للشاعر باستخدام قوة "الذوق" والترفع عن "الشماتة".
5. الخاتمة والحكمة الشعرية
تتوج القصيدة ببيت هو "خلاصة التقييم المعرفي" (ما يندم العاقل على شيء فاته). هذا البيت يمثل نقطة الاستشفاء النفسي والفلسفي. بعد كل هذا الصراع بين الشوق والدموع والانخناق، يتدخل العقل ليضع نقطة النهاية: الندم على الماضي عبث، والوعي الحقيقي يبدأ من لحظة التجاوز.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية