11‏/08‏/2026

حين يتجسّس الصمت على الصمت رحلة في أسرار «الناسك» وجاره الأبكم

 

حين يتجسّس الصمت على الصمت

رحلة في أسرار «الناسك» وجاره الأبكم

هناك قصائد تُقرأ لتُفهم، وقصائد تُقرأ لتُدهش، وقصائد أجمل من ذلك كله؛ قصائد تدخل إليها وأنت تظن أنك تعرف الطريق، ثم تكتشف في آخرها أنك كنت تمشي في طريق آخر تماما.

وقصيدة  »الناسك«  من هذا النوع.

إنها لا تبدأ باعتراف، ولا تقدم لنا شخصية نعرفها، ولا تقول لنا من هو بطلها الحقيقي. وإنما تضعنا أمام رجل غامض اختار العزلة، وأغلق أبوابه، وأقام خلف سياج لا يسمح للمتطفلين بالوصول إليه.

ومنذ البيت الأول يبدأ السؤال:

من هذا الناسك؟

ولماذا اختار أن يعيش وحيدا؟

ومن الذي يخشاه حتى يحتاج إلى كل هذه الحصانة؟

ثم يظهر في المشهد شخص آخر أكثر غموضا : جار أبكم، لا يتكلم، ولا يبدو أنه يعرف أحدا، ولا يتجاوز حدود داره.

ولكن لماذا يهتم به ثلاثة من عالم الاستخبار؟

وهل يعرف هذا الجار شيئا لا يعرفه الآخرون؟

هنا تبدأ الحكاية.


المشهد الأول: ناسك خلف السياج

يقول الشاعر:

الناسك    المتعبّد    بمحرابه   ،   المعتزل  خلف  السياج الناري

مؤصد عن المتطفلين أبوابه   ،   عن  البشر  وعيونهم متوراي

إننا أمام شخصية اختارت العزلة اختيارا.

ليس سجينا أُجبر على الانفراد، ولا هاربا من عقوبة، وإنما ناسك؛ والمتعبد في محرابه لا ينتظر من الناس أن يقتحموا خلوته.

لكن الشاعر يزيد المشهد غموضا حين يضع بين الناسك والآخرين سياجا ناريا.

وهنا يتحول العزل إلى حصانة، وتصبح الأبواب المؤصدة علامة على أن وراءها شيئا لا يريد صاحبه أن يراه أحد.

ولعل أجمل ما في المشهد أن الشاعر لا يخبرنا بسبب هذه العزلة.

إنه يتركنا أمام الباب المغلق.

وهذا الباب هو أول أسرار القصيدة.


المشهد الثاني: جار لا يتكلم

لكن هذا الناسك، على الرغم من عزلته، ليس وحده تماما.

يقول:

له جارٍ أبكم  ما حسب لحسابه   ،   ولا توقّع  يعرف  الأسراري

جارٍ   محايد    ما  تعدا   أعتابه   ،   ولا جيّةٍ  تذكر ولا مسياري

هنا تظهر شخصية ثانية.

جار أبكم.

لا يتدخل، ولا يتجاوز عتبة داره، ولا يعرف عنه أنه يأتي أو يذهب.

جار مثالي لمن يريد أن يحفظ أسراره.

بل إن الناسك ـ على ما يبدو ـ لم يحسب له حسابا؛ لأنه لا يتوقع من الأبكم أن يقول شيئا.

وهكذا يبدو هذا الجار أقل الشخصيات إثارة للريبة.

لكن الشاعر، بذكاء روائي، يضعه في قلب الحكاية دون أن يخبرنا لماذا.

وهنا يزداد السؤال: ماذا يعرف هذا الجار؟

المشهد الثالث: ثلاثة غرباء يطوقون الجار

وفجأة يتغير كل شيء:

الجار هذا  راح يم أصحابه   ،   ثلاثةٍ  من  عالم   استخباري
تَحَلّقوا  حوله   تقول   ذيابه   ،   واستنطقوه وكان كاتب قاري

لم نعد أمام تأمل شعري هادئ.

لقد دخلنا إلى مشهد استخباري.

ثلاثة يحيطون بالجار.

والشاعر لا يقول "اجتمعوا حوله"، وإنما:

تحلقوا حوله تقول ذيابه

فيجعلهم كأنهم ذئاب تحاصر فريسة.

والأغرب أنهم يريدون استنطاق أبكم!

كيف يستنطقون من لا يتكلم؟

هنا تبلغ المفارقة ذروتها.

ثم تأتي كلمة:

وكان كاتب قاري

فتزداد حيرتنا.

إنه أبكم، نعم، لكنه كاتب.

أي أنه لا يتكلم بلسانه، لكنه يعرف وسيلة أخرى للتعبير.

وهنا، دون أن نشعر، بدأت القصيدة تلمّح إلى سرها الكبير.

المشهد الرابع: التحقيق يبدأ

يقولون له:

قالوا: تعرف الناسك ومحرابه   ،  وش قصته قابع ورى الأسواري؟

الآن أصبح الأمر واضحا: هؤلاء الثلاثة لا يريدون معرفة الجار نفسه.

إنهم يريدون معرفة الناسك.

يريدون الوصول إلى الرجل المختبئ خلف الأسوار، لكنهم لم يستطيعوا الوصول إليه مباشرة، فبحثوا عن أقرب من يمكن أن يعرفه.

يا لها من حيلة!

وحين يُسأل الجار، لا يندفع إلى الحديث، بل يقول:

قال: إيه أعرفه! بس ليه أغتابه   ،   لكن أبـ أكتب مؤجز الأخباري

هنا يتوقف المشهد قليلا.

فالجار يعرف.

لكنه لا يريد أن يغتاب.

إنها أول إشارة إلى أن ما سيكشفه ليس فضيحة، بل حقيقة.

وسوف يكتب.

والكتابة هنا ليست مجرد وسيلة للإجابة، وإنما مفتاح الباب الذي عجز المتطفلون عن فتحه.

المشهد الخامس: ماذا وراء الباب؟

يبدأ الجار الأبكم في تقديم تقريره.

وفجأة تتغير صورة الناسك.

لم يعد شخصا غامضا يختبئ خلف الأسوار، وإنما نكتشف أنه:

هذا يخاف الله ويخشى عقابه   ،   ويطمع بجناته ويخشى الناري

ثم نكتشف قدوته:

ومحمد الهادي وكل أصحابه   ،  هم قدوته لاعميت الأبصاري

ثم نكتشف حبه لوطنه:

وهذا الوطن مبلي بحب ترابه   ،  ولا قيّمه بالمال والديناري

ثم نكتشف أنه يحمل هم أمته:

لكن يحس إنه يعيش بغابه   ،   يوم أمته ذابت بالاستعماري

لقد بدأ الناسك يخرج من خلف الأسوار.

لكن الغريب أن كلما عرفنا عنه شيئا، ازداد احترامنا له، ولم تزد معرفتنا بسر مشين.

وهنا يبدأ الشاعر في قلب مفهوم التجسس نفسه.

لقد جاؤوا يبحثون عن عيب، فوجدوا قيمة.

جاؤوا يبحثون عن سر، فوجدوا ضميرا.

جاؤوا يبحثون عن فضيحة، فاكتشفوا إنسانا.

المشهد السادس: حين يغضب الناسك

ثم نكتشف أن هذا الناسك ليس هادئا دائما:

هذا يهيج ويستفز أعصابه   ،  الموقف المتخاذل الغداري

إنه يغضب حين يرى التخاذل.

ويموت ألما حين يتأذى أحبابه:

هذا يموت إذا تأذّى أحبابه   ،  لاشافهم ما بين سَوْم و شاري

ثم يشتد غضبه:

هذا ليا منه لقط مشعابه  ،  يصكّ كل منافقٍ هذاري

وتظهر هنا شخصية مختلفة: إنسان يكره النفاق، ولا يحتمل المزايدة، ولا يطيق المديح الكاذب:

ويكره مديح العالم الكذابه   ،  ويصوّر الكذاب واقف عاري

وهذه من أكثر الصور إثارة في النص.

فالكاتب لا يعرّي جسدا، وإنما يعرّي الحقيقة.

الكذاب الذي كان يختبئ خلف الكلام الجميل، يجعله الكاتب واقفا بلا ستار.

وكأن الكتابة عند هذا الناسك ليست وسيلة للحديث، وإنما وسيلة لكشف الأقنعة.

المشهد السابع: سر آخر أخطر من الغضب

لكن التحقيق لم ينته.

فثمة جانب آخر في شخصية الناسك لم نره بعد.

يقول الشاعر:

عاش الضمير الحي في جلبابه  ،  والصدق دايم له خوي امباري

هنا ندرك أن الغضب ليس طبعه، وإنما نتيجة لضمير حي.

ثم تأتي المفاجأة الإنسانية الأجمل:

هذا تلوّى العاطفة بثيابه   ،  ويرعى لها ويضمها ويداري

ثم يبدأ الناسك في البكاء.

لكن على ماذا؟

يُبكيه جور الحاجة الغلابة   ،  إن جاء لها بين السوالف طاري

ويبكيه الطفل:

ويُبكيه طفلٍ دمعته سكابه

وتبكيه المرأة:

وتُبكيه حرّة عينها مدراري

ويبكيه الشيخ الذي فقد أبناءه:

ويُبكيه شيخٍ شايبات أهدابه   ،  ماتوا عياله عن يتامى صغاري

وهنا يحدث تحول عميق في صورة الناسك.

لقد ظنناه في البداية رجلا يهرب من الناس.

ثم اكتشفنا أنه رجل يحمل الناس في قلبه.

إنه معتزل عن عيون البشر، لكنه ليس معتزلا عن آلام البشر.

وهذه واحدة من أجمل مفارقات القصيدة.

المشهد الثامن: الناسك نفسه متعب

وحتى هذا الناسك العطوف لم تسلم حياته من التعب:

هذا كواه الهم في مشهابه  ،  هذا جرى له من ظروفه جاري

ثم:

هذا بنى بيته وشد أطنابه   ،  والصبر واسط ثابتٍ كالصاري

لقد بنى بيته، وشد أطنابه، وواجه ظروفه بالصبر.

وهنا تتضح لنا شخصية الإنسان كاملة:

إيمان.

وطن.

ضمير.

صدق.

رفض للنفاق.

رحمة بالمحتاج.

حزن على الطفل.

شفقة على المرأة.

حزن على الشيخ.

ثم صبر على أوجاعه الخاصة.

لكن يبقى السؤال قائما:

من هو هذا الناسك؟

ولماذا يبدو قريبا منا إلى هذا الحد؟


لحظة الكشف

لقد طال بنا التجسس.

وسمعنا التقرير كله.

وعرفنا أخلاق الناسك، ومواقفه، وأحزانه، وصبره.

ثم يقول الشاعر:

هذا يالو اكتب جزء من أتعابه  ،  أتعبتكم ويطول ليل الساري
وإن كان ما تدرون، فالإجابه:

ثم يرفع الستار عن السر الذي أخفاه منذ بداية القصيدة:

الناسك: القلب الذي بايساري

هنا تتغير القصيدة كلها.

وفجأة نعود بأذهاننا إلى الأبيات الأولى.

السياج.

الأبواب.

العزلة.

المحراب.

المتطفلون.

كلها لم تكن كما ظننا.

لقد كان الناسك القلب.

وهنا تظهر براعة البناء: الشاعر لم يخبرنا بالحقيقة ثم يبني عليها، بل جعلنا نعيش داخل الرمز أولا، ثم كشف لنا مفتاحه في النهاية.

وهذه ليست مجرد مفاجأة لفظية، بل إعادة تفسير للنص كله.

لكن ماذا عن الجار الأبكم؟

لم ينته السر.

فالشاعر يقول:

والجار الأبكم: ما هو من أقرابه   ،  ما يشرب إلاّ من أزرق الأحباري

الآن فقط نعرف أن الجار الذي ظنناه شخصية من شخصيات القصة ليس إنسانا.

إنه القلم.

جار القلب والذي في يقيم في جيب ثوب الشخص وأكثر اِلتصاقاً ومجاورة لقلبه.

والقلم أبكم فعلا؛ لا صوت له، ولا لسان، ولا يستطيع أن يفشي سرا ما لم تحركه يد.

لكنه يشرب من الحبر.

وحين يشرب القلم من "أزرق الأحباري"، يبدأ القلب في الظهور على الورق.

وهنا تتولد واحدة من أجمل أفكار القصيدة:

القلم لا يملك الكلام، لكنه يملك الكشف.


ومن هم رجال الاستخبار؟

لم يبق إلا الثلاثة الذين حاصروا الجار.

يقول الشاعر:

و وسطاي  و الإبهام  و السبابة  ،  هم الثلاثة  كاشفين  أسراري

يا لها من نهاية تعيد ترتيب القصيدة كلها!

الثلاثة الذين ظنناهم محققين ليسوا بشرا.

إنهم أصابع اليد.

وهم الذين يستنطقون القلم.

وهكذا تكتمل الحكاية:

قلب يخفي.

وقلم يجاور.

وأصابع تستنطق.

وحبر يسيل.

وورق يتلقى.

ثم تظهر الأسرار.

إنها عملية كتابة تحولت في يد الشاعر إلى قصة تجسس كاملة.


وهنا تبدأ القراءة الحقيقية

بعد أن انكشف كل شيء، يمكننا الآن أن نعود إلى القصيدة لا لنعرف "من هو الناسك"، فقد عرفناه، وإنما لنسأل:

لماذا اختار الشاعر هذا البناء الغريب؟

لأن الفكرة التي يريد إيصالها ليست مجرد أن القلب يحب ويكره ويحزن.

الفكرة أعمق:

الإنسان يستطيع أن يخفي قلبه عن الناس، لكنه قد لا يستطيع أن يخفيه عن قلمه.

فالكتابة الصادقة نوع من الاعتراف غير المباشر.

قد لا يقول الإنسان:

أنا رحيم.

لكن القلم يكشف رحمته حين يكتب عن طفل يبكي.

وقد لا يقول:

أنا أتألم من الظلم.

لكن القلم يكشف ذلك حين يكتب عن المحتاج والمرأة المكلومة والشيخ الذي فقد أبناءه.

وقد لا يقول:

أنا أكره النفاق.

لكن القلم يرسم الكذاب "واقف عاري".

وهكذا يصبح القلم في القصيدة المخبر الذي لا يكذب.

التجسس الذي لم يكشف عيبا

والأجمل أن عملية التجسس في هذه القصيدة تنتهي بنتيجة عكس المتوقع.

عادة حين يتجسس الناس على إنسان يبحثون عن عثراته.

أما هنا، فقد كشف التجسس جماله.

لقد دخلنا وراء السياج بحثا عن سر، فوجدنا إيمانا.

وبحثنا عن عيب، فوجدنا ضميرا.

وبحثنا عن ضعف، فوجدنا صبرا.

وبحثنا عن قسوة، فوجدنا رحمة.

وبحثنا عن عزلة، فوجدنا إنسانا يعيش في قلبه الناس جميعا.

وهنا يتحول عنوان القصيدة نفسه إلى معنى فلسفي:

حين يتجسس الصمت على الصمت، لا يبقى الصمت صامتا.

فالقلب صامت.

والقلم صامت.

لكن أحدهما يفضح الآخر.

القصة والمسرح داخل القصيدة

ومن أجمل ما يلفت النظر أن الشاعر لم يكتب قصيدة وصفية تقليدية، بل بنى مشهدا مسرحيا مصغرا.

لدينا:

شخصية رئيسية غائبة: الناسك.

وشخصية ثانية: الجار الأبكم.

وثلاث شخصيات تستجوبه.

ومكان: محراب وسياج وأبواب.

وسؤال.

وجواب.

واستجواب.

وتقرير.

ثم كشف نهائي.

وهذا يمنح القصيدة حركة درامية لا تجعل القارئ مستمعا إلى وصف، بل تجعله متفرجا على حدث.

بل إن الشاعر مارس معنا لعبة سردية ذكية: جعلنا نبحث عن هوية الشخصيات كما يبحث رجال الاستخبار عن الناسك.

فالقارئ نفسه أصبح، من حيث لا يشعر، واحدا من المتجسسين!

وهذه نقطة فنية بالغة الجمال.


الصورة الشعرية بين الغرابة والبساطة

القصيدة لا تعتمد على الصور الغامضة المتكلفة، وإنما تأخذ أشياء مألوفة وتحول وظائفها.

القلب يصبح ناسكا.

القلم يصبح جارا.

الأصابع تصبح محققين.

الحبر يصبح شرابا.

الكتابة تصبح استنطاقا.

والقلم يجعل الكذاب عاريا.

والصبر يصبح صاريا يحمل البيت.

وهذا النوع من التصوير هو الذي يجعل الفكرة الغريبة قابلة للتلقي؛ لأن الشاعر لا يشرح الفكرة، بل يجسدها.


فلسفة القلب والكتابة

تصل القصيدة في نهايتها إلى سؤال إنساني كبير:

أيهما أصدق في كشف الإنسان: كلامه أم كتابته؟

قد يستطيع الإنسان أن ينتقي كلامه.

وقد يستطيع أن يخفي مشاعره.

وقد يستطيع أن يصنع صورة عن نفسه أمام الآخرين.

لكن حين يكتب بعفوية، فإن شيئا من حقيقته يتسلل إلى الكلمات.

ولهذا فإن القلم هنا ليس مجرد أداة، بل هو مرآة داخلية.

إنه لا يكشف الوجه الذي يراه الناس، وإنما يكشف الوجه الذي يراه القلب.

وهذا ما يجعل القصيدة تتجاوز طرافتها إلى منطقة فلسفية جميلة:

الإنسان يكتب عن الأشياء، لكنه في الحقيقة يكتب عن نفسه أيضا.


إنسانية الناسك

وحين نعرف أخيرا أن الناسك هو القلب، تصبح كل الصفات التي كشفها القلم أكثر عمقا.

فهذا القلب ليس قلبا منعزلا عن العالم.

إنه قلب يحمل إيمانه، وحبه لوطنه، وغيرته على أمته، ونفوره من النفاق، وتألمه من الظلم، ورقته تجاه المحتاجين.

بل إن دموعه هي أكثر ما يكشف حقيقته.

فالذي يبكي لطفل لا يعرفه، أو لشيخ فقد أبناءه، أو لامرأة أوجعتها الحياة، ليس إنسانا يعيش لنفسه.

وهنا تقول القصيدة شيئا جميلا عن معنى القوة:

القلب القوي ليس الذي لا يبكي، وإنما الذي يستطيع أن يحمل ألمه وألم الآخرين ثم يواصل الطريق.

ولهذا تأتي صورة الصبر في نهاية الرحلة كأنها آخر أعمدة هذا البيت الداخلي.


أسرار القلب لا تنتهي

ولعل أجمل ما في الخاتمة أن القلم لا يدعي أنه كشف كل شيء.

يقول:

هذا يالو اكتب جزء من أتعابه    ،   أتعبتكم ويطول ليل الساري

جزء من أتعابه.

وهذه العبارة الصغيرة تحمل معنى كبيرا.

فكل ما قرأناه ليس حياة القلب كلها.

إنما هو جزء.

وهذا يليق تماما بفلسفة النص؛ لأن القلب أوسع من أن يحتويه قلم، وأعمق من أن تكشفه قصيدة واحدة.

لقد فتح القلم نافذة فقط.

أما ما وراء النافذة، فبحر آخر.


خاتمة: حين يفضح القلم صاحبه

في النهاية، لا يكون أجمل ما في القصيدة أنها أخفت الناسك ثم كشفت هويته، ولا أنها جعلت القلم جارا أبكم، ولا أنها حولت الأصابع إلى رجال استخبار.

كل ذلك جميل.

لكن الأجمل أن الشاعر استخدم هذه الحيلة الفنية ليقول لنا شيئا عن الإنسان.

فالإنسان قد يغلق أبواب قلبه.

وقد يضع حوله أسوارا.

وقد يعتزل الناس.

وقد يصمت.

لكن هناك جار لا ينتبه إليه:

القلم.

وهناك ثلاثة لا يملك أن يمنعهم من الوصول إليه:

الإبهام والسبابة والوسطى.

وحين يبدأ القلم في السير فوق الورق، لا يعود القلب قادرا على الاختباء كما كان.

وهكذا يصبح البوح نوعا من التجسس الجميل؛ تجسس لا يفتش عن العيوب، وإنما يكشف ما وراء الظواهر من إيمان وضمير وصدق ورحمة وحب ووطن وألم وصبر.

إنها قصيدة جعلت من عملية الكتابة نفسها مغامرة.

وجعلت من القلب ناسكا.

ومن القلم جارا أبكم.

ومن الأصابع رجال استخبار.

وجعلتنا نحن القراء شركاء في التحقيق، حتى إذا بلغنا النهاية وجدنا أننا كنا نبحث عن شخص، فإذا بنا نبحث عن إنسان.

والآن، بعد أن انكشف الناسك، وعُرف جاره الأبكم، وانكشف أمر الثلاثة الذين استنطقوه، يمكن العودة إلى القصيدة من أولها بعين أخرى؛ فقد أصبحت كل صورة فيها تحمل سرا، وكل بيت صار يقول أكثر مما كان يقول في القراءة الأولى.

وإليكم النص بأكمله ، لتتذوقوه بوصفه أبياتا فحسب، وإنما بوصفه حكاية ومشهدا ورمزا ورحلة إلى أعماق القلب:


الناسك


الناسك المتعبّد بمحرابه
                         المعتزل خلف السياج الناري
مؤصد عن المتطفلين أبوابه
                          عن البشر وعيونهم متوراي
له جارٍ أبكم ماحسب لحسابه
                                ولاتوقّع يعرف الأسراري
جارٍ محايد ماتعدا أعتابه
                        ولا جيّةٍ تذكر ولا مسياري
الجار هذا راح يم أصحابه
                            ثلاثةٍ من عالم استخباري
تحلقوا حوله تقول ذيابه
           واستنطقوه وكان كاتب قاري
قالوا: تعرف الناسك ومحرابه
                 وش قصته قابع ورى الأسواري؟
قال: إيه أعرفه! بس ليه أغتابه
               لكن أبكتب مؤجز الأخباري
هذا يخاف الله ويخشى عقابه
             ويطمع بجناته ويخشى الناري
ومحمد الهادي وكل أصحابه
                  هم قدوته لاعميت الأبصاري
وهذا الوطن مبلي بحب ترابه
                        ولا قيّمه بالمال والديناري
لكن يحس إنه يعيش بغابه
                  يوم أمته ذابت بالاستعماري
هذا يهيج ويستفز أعصابه
                           الموقف المتخاذل الغداري
هذا يموت إذا تأذّى أحبابه
                     لاشافهم ما بين سَوْم و شاري
هذا ليا منه لقط مشعابه
                          يصكّ كل منافقٍ هذاري
ويكره مديح العالم الكذابه
                    ويصوّر الكذاب واقف عاري
عاش الضمير الحي في جلبابه
                     والصدق دايم له خوي امباري
هذا تلوّى العاطفة بثيابه
                      ويرعى لها ويضمها ويداري
يُبكيه جور الحاجة الغلابة
                  إن جاء لها بين السوالف طاري
ويُبكيه طفلٍ دمعته سكابه
                    وتُبكيه حرّة عينها مدراري
ويُبكيه شيخٍ شايبات أهدابه
                ماتوا عياله عن يتامى صغاري
هذا كواه الهم في مشهابه
                     هذا جرى له من ظروفه جاري
هذا بنى بيته وشد أطنابه
              والصبر واسط ثابتٍ كالصاري
هذا يالو اكتب جزء من أتعابه
                أتعبتكم ويطول ليل الساري
وإن كان ماتدرون، فالإجابه:
                   الناسك: القلب الذي بايساري
والجار الأبكم: ماهو من أقرابه
                   مايشرب إلاّ من أزرق الأحباري
ووسطاي والإبهام والسبابة
                   هم الثلاثة كاشفين أسراري


عبد العزيز شداد الحيسوني الحربي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية