22‏/08‏/2026

قصيدة لا تنتقد الإعلام... بل تسأل: أيُّ إنسان نريد أن نصنع؟ للشاعر عبد العزيز بن شداد الحيسوني


نريد ولا نريد

قصيدة لا تنتقد الإعلام... بل تسأل: أيُّ إنسان نريد أن نصنع؟

مقدمة

بعض القصائد تولد من مناسبة، ثم تنتهي بانتهائها، وبعضها يتجاوز المناسبة التي قيلت فيها، لأن الشاعر لم يكتب عن حادثة عابرة، وإنما أمسك بسؤال يبقى حيًا مهما تغير الزمن.

وقصيدة «نريد ولا نريد» للشاعر عبد العزيز شداد الحيسوني الحربي من هذا النوع؛ فقد بدت في ظاهرها اعتراضًا على محتوى إعلامي يكثر فيه الإثارة والضجيج والتفاهة، لكنها في جوهرها أوسع من ذلك بكثير.

إنها قصيدة تسأل عن وظيفة الكلمة، وعن مسؤولية الإعلام، وعن علاقة المتعة بالمعرفة، وعن أثر ما نشاهده ونسمعه في تشكيل الذوق والوعي والسلوك.

والأهم أنها لا تقف عند حدود الرفض؛ فالشاعر لا يقول فقط: هذا ما لا نريد، بل يضع أمامه مشروعًا آخر:

نريد علمًا، وفكرًا، وأدبًا، وجمالًا، وترفيهًا نافعًا، وإعلامًا يحترم عقل الإنسان ومشاعره، ويستعيد شيئًا من القيم التي تاهت وسط ضجيج المشهد.

ولهذا تبدو القصيدة، بعد سنوات من كتابتها، وكأنها لا تتحدث عن زمن مضى، وإنما تفتح سؤالًا ما زال قائمًا:

ماذا نريد أن يدخل عقولنا وقلوبنا كل يوم؟

---

النص

نريد ولا نريد

متى ينزاح هم المفردة وتعانق الابداع
متى تقفز على صهوة خيال الفكر مسرورة

سئمنا من سواليف الحياة وسرعة الإيقاع
سئمنا من غثا حب الخنوع ومنطق الثورة

تعبنا من روايات الأسى والقهر والأوجاع
تعبنا من قنوات تبث أخبار محظورة

وصلنا مرحلة ماعاد نرغب نعرف الأوضاع
من إعلام الإثارة والدجل و الكذب والعورة

بلغنا من التفاهة والسفاهة حالة الإشباع
نريد أطباق مختلفة، روينا أكواب مخمورة

نريد إعلام ينهض بالعقول ويخلق استمتاع
يهمه مايفيد المجتمع ويقوم في دوره

نبي عالِم نبي كاتب نبي شاعر نبي صَنّاع
نبي واعي نبي داعي نبي قامات مشهورة

نريد إعلام يأخذ من عقول النخبة استقطاع
وينشر مالديهم من فكر وعلوم منثورة

نريد أفكار في قالب جميلٍ تطرق الأسماع
نريد أجمل براويزٍ تحيط بروعة الصورة

رقيّ الذوق والتعبير لو مايصل للإقناع
يحقق حالة استقرار للإنسان وشعوره

ترى الترفيه والإسعاد والإفراح والإمتاع
ماهي بالفن محصورة ولا التمثيل والكورة

ترى نقدر نطور ذاتنا بالصحف والمذياع
إذا الترفيه بالتعليم شعشع بالفضاء نوره

وترى التلفاز كلية علوم ومنفذ استطلاع
إذا صارت برامجنا بنور الفكر منشورة

ومتى صارت برامجنا تهاوى باتجاه القاع
تساقط مجتمعنا وانتكس ذوقه ومنظوره

متى كانت لنا متعة؟ عيوب المجتمع تنذاع؟
متى كانت فضائلنا بركام الكره مطمورة؟

متى التحريض والتعريض والتشهير والإقذاع
صنع قصة نجاح؟ إلاّ خلَق عاهات محفورة

نبي يـ إعلامنا الواعي تسوي نقطة استرجاع
تعيد اللي فقدنا من جمال أخلاق مذكورة

وانا لو جيت أعدد للمطالب كل وقتي ضاع
لكن اللي ذكرته وضّح المقصود والصورة

عبد العزيز شداد الحيسوني الحربي

---

حين يتحول الشعر إلى سؤال عن وظيفة الكلمة

العنوان نفسه مفتاح القصيدة:

«نريد ولا نريد».

إنه عنوان يقوم على مقابلة واضحة بين النفي والإثبات، لكنه يحمل في داخله رؤية كاملة.

فالشاعر لا يرفض الإعلام، ولا الترفيه، ولا الفن، ولا الشهرة، وإنما يرفض أن تتحول هذه الأشياء إلى غايات فارغة من القيمة.

هو يريد إعلامًا آخر، وترفيهًا آخر، وشهرةً أخرى؛ يريد أن تصبح هذه الوسائل أدوات لبناء الإنسان لا لاستهلاكه.

ومن هنا تأتي أولى خصائص القصيدة:

إنها قصيدة اقتراح، وليست قصيدة اعتراض فقط.

فهي تبدأ بالضجر والسأم، ثم تنتقل إلى المطالبة، ثم تقدم تصورًا لما ينبغي أن يكون.

---

همُّ المفردة... حين تبحث اللغة عن الإبداع

يفتتح الشاعر قصيدته بسؤال لافت:

«متى ينزاح هم المفردة وتعانق الابداع
متى تقفز على صهوة خيال الفكر مسرورة»

وهذا البيت يمكن أن يكون بيانًا شعريًا للقصيدة كلها.

فالمشكلة ليست فقط في الأخبار التي تقدم، وإنما في المفردة التي أصبحت مستهلكة، وفي الكلام الذي يعيد نفسه حتى يفقد قدرته على التأثير.

والصورة في:

««تقفز على صهوة خيال الفكر»»

جميلة؛ إذ يتحول الخيال إلى فرس، ويتحول الفكر إلى فارس يمتطيه.

وهكذا لا يريد الشاعر فكرة جامدة، بل فكرة تنطلق، وتحلق، وتوقظ الخيال.

---

من الشبع إلى التخمة

يقول:

«بلغنا من التفاهة والسفاهة حالة الإشباع
نريد أطباق مختلفة، روينا أكواب مخمورة»

هنا تتحول التفاهة إلى طعام، والسفاهة إلى شراب.

لكن المفارقة أن الشبع هنا ليس شبعًا صحيًا؛ إنه تخمة بلا غذاء.

وهذه من أذكى صور القصيدة؛ فالإنسان قد يكون ممتلئًا بالمعلومات لكنه فارغ من المعرفة، وقد يكون محاصرًا بالأخبار لكنه محروم من الوعي.

لذلك يقول:

«نريد أطباق مختلفة»

وكأن المجتمع أمام مائدة إعلامية ضخمة، لكنه يبحث عن غذاء حقيقي للعقل والروح.

---

الفكرة الجميلة... لا الفكرة وحدها

من أجمل أبيات القصيدة:

«نريد أفكار في قالب جميلٍ تطرق الأسماع
نريد أجمل براويزٍ تحيط بروعة الصورة»

هنا يصل الشاعر إلى قضية جمالية بالغة الأهمية:

ليست المشكلة في الفكرة وحدها، وإنما في الطريقة التي تقدم بها.

فالفكرة العظيمة إذا قدمت في قالب منفّر قد لا تصل، والجمال إذا انفصل عن المعنى يتحول إلى زينة فارغة.

لذلك يريد الشاعر الاثنين معًا:

فكرًا نافعًا، وقالبًا جميلًا.

وهذه الفكرة تجعل القصيدة نفسها نموذجًا لما تطالب به؛ فهي تناقش قضية فكرية، لكنها تستخدم الصور والإيقاع والتكرار واللغة الشعبية القريبة من الناس.

إنها لا تطلب من الإعلام أن يكون نافعًا فقط، بل تطلب منه أن يكون ممتعًا في نفعه.

---

الترفيه ليس مرادفًا للفراغ

يقول:

«ترى الترفيه والإسعاد والإفراح والإمتاع
ماهي بالفن محصورة ولا التمثيل والكورة»

وهنا يعيد الشاعر تعريف الترفيه.

فالمتعة ليست حكرًا على الفن والتمثيل والرياضة، بل يمكن للإنسان أن يستمتع بالعلم، وبالقصة، وبالفكر، وبالسيرة، وبالحوار، وبالاكتشاف.

ومن هنا تأتي الفكرة الأكثر نضجًا:

«ترى نقدر نطور ذاتنا بالصحف والمذياع
إذا الترفيه بالتعليم شعشع بالفضاء نوره»

إنه يريد كسر الثنائية التقليدية بين التعليم والترفيه.

لماذا يجب أن يكون التعليم جافًا، والترفيه سطحيًا؟

ولماذا لا يصبح العلم ممتعًا، وتصبح المتعة طريقًا إلى المعرفة؟

هذه الفكرة لا تزال شديدة الصلاحية حتى اليوم.

---

التلفاز... كلية علوم

ثم يقول:

«وترى التلفاز كلية علوم ومنفذ استطلاع
إذا صارت برامجنا بنور الفكر منشورة»

التلفاز هنا ليس جهازًا، وإنما مؤسسة تعليمية مفتوحة.

وهذه صورة فلسفية للوسيلة الإعلامية:

الأداة ذاتها ليست مذنبة.

فالصحيفة تستطيع أن ترفع الوعي، كما تستطيع أن تنشر الضجيج.

والمذياع يستطيع أن يثري الروح، كما يستطيع أن يكرر الفراغ.

والتلفاز يمكن أن يكون جامعة، كما يمكن أن يكون سوقًا للابتذال.

إذن القضية ليست في الوسيلة، بل في القيمة التي تحملها الوسيلة.

---

حين يهبط الإعلام... يهبط الذوق

يقول:

«ومتى صارت برامجنا تهاوى باتجاه القاع
تساقط مجتمعنا وانتكس ذوقه ومنظوره»

هنا تتجاوز القصيدة نقد الإعلام إلى فلسفة المجتمع.

فالشاعر يرى علاقة بين ما يقدم على الشاشة وبين ما يحدث في الذوق العام:

البرنامج يهبط، فيهبط الذوق، ثم يتأثر المجتمع.

وهذه رؤية عميقة؛ لأن ما يدخل العين والأذن بصورة متكررة لا يبقى خارج الإنسان، بل يتسلل إلى ذوقه، ثم إلى معاييره، ثم إلى سلوكه.

فالإنسان ليس مجرد مستهلك للمحتوى، وإنما هو كائن يتشكل بالمحتوى الذي يستهلكه.

---

السؤال الأخلاقي: متى أصبح الألم ترفيهًا؟

من أكثر مواضع القصيدة قوة:

«متى كانت لنا متعة؟ عيوب المجتمع تنذاع؟
متى كانت فضائلنا بركام الكره مطمورة؟»

هنا لا يسأل الشاعر فقط عن الإعلام، بل يسأل عن أخلاق الإنسان.

هل يجوز أن تتحول فضيحة إنسان إلى مادة للمتعة؟

هل سقوط شخص يمكن أن يصبح برنامجًا ترفيهيًا؟

وهل كثرة مشاهدة الألم تجعلنا أكثر وعيًا، أم تجعلنا أقل إحساسًا؟

القصيدة تدافع هنا عن كرامة الإنسان حتى وهو مخطئ.

ولهذا يتجاوز بعدها الأخلاقي مجرد نقد الإعلام إلى نقد الطريقة التي نتعامل بها مع أخطاء الآخرين.

---

التحريض والتشهير... صناعة للأذى

يقول:

«متى التحريض والتعريض والتشهير والإقذاع
صنع قصة نجاح؟ إلاّ خلَق عاهات محفورة»

تراكم الكلمات:

التحريض، التعريض، التشهير، الإقذاع

يخلق إيقاعًا متصاعدًا، وكأن الشاعر يضع أمامنا طبقات متراكمة من الأذى اللفظي.

ثم تأتي المفارقة:

هل صنعت هذه الوسائل قصة نجاح؟

والجواب عنده واضح:

إنها لا تصنع نجاحًا، بل تخلق عاهات محفورة.

والعاهة هنا ليست جسدية، وإنما جرح نفسي واجتماعي قد يبقى أثره طويلًا.

---

«نقطة استرجاع»... أذكى استعارات القصيدة

ومن أكثر صور القصيدة ابتكارًا:

«نبي يـ إعلامنا الواعي تسوي نقطة استرجاع
تعيد اللي فقدنا من جمال أخلاق مذكورة»

استعار الشاعر مصطلحًا تقنيًا حديثًا: نقطة الاسترجاع، ثم نقله إلى المجال الأخلاقي.

فكأن المجتمع أخطأ المسار، وتراكمت عليه الأخطاء، وأصبح بحاجة إلى العودة إلى نقطة كان فيها أكثر توازنًا ونقاء.

لكن الشاعر لا يدعو إلى العودة إلى الماضي بمعنى رفض الحاضر، وإنما يريد استعادة الأخلاق، لا استعادة الزمن.

وهذه صورة ذكية لأنها تستخدم لغة العصر لتقديم مطلب أخلاقي قديم ومتجدد.

---

الشهرة... لمن يستحقها

ومن أجمل المطالب:

«نبي عالِم نبي كاتب نبي شاعر نبي صَنّاع
نبي واعي نبي داعي نبي قامات مشهورة»

هذا ليس مجرد تعداد.

إنه إعادة ترتيب لمعيار الشهرة.

الشاعر يريد أن تتجه الأضواء إلى:

العالم، والكاتب، والشاعر، والصانع، والواعي، والداعي، وصاحب الإنجاز.

أي أن الشهرة ينبغي أن تذهب إلى من يضيف، لا إلى من يثير.

إلى من يبني، لا إلى من يهدم.

إلى صاحب المنجز، لا إلى صاحب الضجيج.

وهذه في حقيقتها قضية حضارية؛ لأن المجتمعات تكشف أولوياتها من خلال الأشخاص الذين تجعلهم قدوة ومثالًا.

---

القصيدة بين الإعلام والمجتمع

وهنا تتسع الرؤية أكثر.

في البداية يبدو أن الشاعر ينتقد الإعلام.

لكن القصيدة في عمقها تنتقد الدائرة التي تربط الإعلام بالمجتمع.

الجمهور يطلب، والإعلام يقدم، والإعلام يعيد تشكيل الذوق، ثم يعود الجمهور فيطلب المزيد مما تعود عليه.

وهكذا تتشكل دائرة مغلقة:

ما نتابعه يكافئه السوق، وما يكافئه السوق يتكرر، وما يتكرر يؤثر في ذوقنا، وذوقنا يعود ليطلبه من جديد.

لذلك فالمسؤولية ليست على الإعلام وحده.

المشاهد أيضًا شريك.

فالاهتمام تصويت، والمتابعة مكافأة، والإعجاب قد يكون دعوة إلى المزيد.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي:

ماذا نكافئ بأعيننا ووقتنا واهتمامنا؟

---

القصيدة إنسانية قبل أن تكون إعلامية

الشاعر لا يتعامل مع المشاهد باعتباره رقمًا في إحصائية.

إنه يتعامل معه باعتباره إنسانًا له:

عقل، وذوق، ومشاعر، وأسرة، وأبناء، وكرامة، وحاجة إلى المعرفة والجمال.

ولهذا فإن القصيدة تدافع عن حق الإنسان في أن يرى شيئًا يرفعه، لا شيئًا يستنزفه.

وهنا تكمن إنسانيتها الأساسية:

الإعلام عند الشاعر ليس ما يظهر على الشاشة، بل ما يتركه ذلك الظهور في الإنسان.

---

شهادات القراء... حين تتسع القصيدة خارج حدودها

ولعل أجمل ما يؤكد اتساع أفق القصيدة تلك القراءات التي جاءت من بلدان عربية مختلفة.
كما يتضح من خلال التعليقات عليها بصفحة الفيس بوك:
https://www.facebook.com/share/p/192Dhbno6Z/

فالأستاذ بندر الجودي من السعودية قرأ فيها دعوة إلى الارتقاء بدور الكلمة، وربط بينها وبين أزمة الإعلام والثقافة وأثرهما في الوعي والنهوض الحضاري.

والأستاذ وليد إبراهيم من السودان رأى فيها انعكاسًا لهموم قطاع واسع من الناس، وقرأها من زاوية حماية الأسرة والقيم من الاستغلال الإعلامي.

أما الأستاذ محمود رمضان من ليبيا، فقد التقط منها صدق المقصد والإخلاص للإنسان والوطن، ورأى في إعادة نشرها فرصة لأن تجد «أذنًا تسمع أو عينًا تبصر».

في حين رأى الأستاذ أحمد حسن علي من اليمن أنها تحاكي واقع الإعلام العربي الذي هبط إلى القاع، وأن الشاعر لم يكتف بتشخيص الواقع وإنما عبّر عن التطلع إلى تغييره.

واللافت هنا أن هؤلاء القراء لم يتفقوا على قراءة واحدة.

وهذا في حد ذاته علامة على حيوية النص.

فكل قارئ وجد في القصيدة الجرح الذي يعرفه، والهم الذي يحمله.

وهذه من خصائص القصيدة التي تتجاوز مناسبتها:

أنها لا تمنح القارئ معنى واحدًا، بل تمنحه مرآة يرى فيها نفسه وواقعه.

---

بلاغة القصيدة... حين تخدم الصورة الفكرة

اعتمد الشاعر على مجموعة من الصور والاستعارات التي جعلت الأفكار المجردة محسوسة:

التفاهة أصبحت طعامًا، والسفاهة شرابًا.

والفكر أصبح نورًا.

والخيال أصبح صهوة.

والتلفاز أصبح كلية علوم.

والبرامج أصبحت قادرة على رفع المجتمع أو إسقاطه.

والأخلاق أصبحت شيئًا يمكن استرجاعه.

والفكر أصبح شيئًا يمكن أن يطرق الأسماع.

وهذا يفسر لماذا جاءت القصيدة قريبة من المتلقي رغم أنها تناقش قضايا فكرية وفلسفية.

فالشاعر لم يضع الفكرة في ثوب نظري، وإنما حوّلها إلى صور يستطيع القارئ أن يراها ويتذوقها.

---

التكرار... ليس حشوًا بل نبض القصيدة

كلمات مثل:

سئمنا، تعبنا، نريد، نبي، ترى، متى

تتكرر، لكنها تؤدي أدوارًا نفسية وفنية مختلفة.

«سئمنا» تعبر عن الإرهاق.

«تعبنا» تزيد من الإحساس بالضيق.

«نريد» تفتح باب الأمل.

«نبي» تمنح المطالبة حرارة شعبية مباشرة.

أما «متى» فتحول القصيدة إلى سؤال احتجاجي واستنهاضي.

ولهذا فإن التكرار هنا يشبه نبضًا متواصلًا يربط أجزاء القصيدة بعضها ببعض.

---

اللغة الشعبية... حين تحمل فكرة كبيرة

ومن جمال النص أنه لم يتخل عن لغته الشعبية القريبة:

«سواليف»، «غثا»، «نبي»، «ترى».

ومع ذلك لم تمنعه هذه اللغة من تناول قضايا كبيرة:

الإعلام، والوعي، والتعليم، والذوق، والأخلاق، والأسرة، والمجتمع.

وهذا يؤكد أن الشعر الشعبي ليس مضطرًا إلى التضحية بالفكرة العميقة من أجل البساطة.

فاللغة القريبة من الناس تستطيع أن تحمل فلسفة عميقة إذا امتلك الشاعر رؤية واضحة وصورة موفقة.

---

ما الذي يجعل القصيدة باقية؟

ليست قوة القصيدة في أنها قالت إن هناك إعلامًا سيئًا؛ فهذه فكرة يمكن أن تتكرر.

قوتها في أنها قالت:

ماذا نريد بدلًا منه؟

وهنا تتجاوز القصيدة الاحتجاج إلى الرؤية.

إنها تريد:

علمًا في قالب ممتع.

وفكرًا في صورة جميلة.

وترفيهًا لا يقتل العقل.

وشهرة لأهل الإنجاز.

وإعلامًا يحترم الأسرة.

ومحتوى يعيد للإنسان شيئًا من جمال أخلاقه.

ولهذا فإنها لا تزال قابلة للقراءة اليوم؛ لأن الوسائل تغيرت، والمنصات تغيرت، لكن السؤال بقي:

هل نستخدم الإعلام لصناعة الإنسان، أم نستخدم الإنسان لصناعة الإعلام؟

---

الخاتمة

في النهاية، لا تبدو «نريد ولا نريد» قصيدة عن الإعلام وحده.

إنها قصيدة عن الإنسان الذي يقف أمام هذا السيل الهائل من الصور والأخبار والأصوات، ويسأل: ماذا سيبقى مني بعد أن ينتهي كل هذا الضجيج؟

إنها قصيدة تدافع عن حق العقل في أن يجد غذاءه، وعن حق الروح في أن تجد جمالها، وعن حق الأسرة في أن تجد ما يحفظ قيمها، وعن حق المجتمع في إعلام يرفع ذوقه بدل أن يستثمر في ضعفه.

ولعل أجمل ما فيها أن الشاعر لم يكتفِ بأن يقول:

لا نريد.

بل ظل يكرر:

نريد.

نريد العالم، والكاتب، والشاعر، والصانع.

نريد الفكر حين يلبس ثوب الجمال.

نريد التعليم حين يصبح ممتعًا.

نريد الترفيه حين يضيف إلى الإنسان ولا ينتقص منه.

نريد الإعلام حين يكون جامعة، ومنفذًا للاستطلاع، ونورًا للفكر.

ونريد في النهاية نقطة استرجاع تعيد إلينا ما فقدناه من جمال الأخلاق.

وهنا يتضح أن عنوان القصيدة ليس مجرد عنوان، بل هو مشروعها كله:

نريد أن نتخلص مما يستهلك الإنسان، ونريد أن نستعيد ما يبنيه.

ولذلك فإن السؤال الذي بدأ به الشاعر رحلته لا يزال صالحًا لأن يكون سؤالنا نحن أيضًا:

«متى ينزاح هم المفردة وتعانق الإبداع؟»

ومتى تصبح الكلمة التي تدخل بيوتنا كل يوم، سببًا في أن يخرج منها إنسان أجمل عقلًا، وأرقى ذوقًا، وأرحب أفقًا، وأكرم خلقًا؟

ذلك هو الرهان الحقيقي.

وذلك، في جوهره، هو ما أرادت هذه القصيدة أن تقوله.

11‏/08‏/2026

حين يتجسّس الصمت على الصمت رحلة في أسرار «الناسك» وجاره الأبكم

 

حين يتجسّس الصمت على الصمت

رحلة في أسرار «الناسك» وجاره الأبكم

هناك قصائد تُقرأ لتُفهم، وقصائد تُقرأ لتُدهش، وقصائد أجمل من ذلك كله؛ قصائد تدخل إليها وأنت تظن أنك تعرف الطريق، ثم تكتشف في آخرها أنك كنت تمشي في طريق آخر تماما.

وقصيدة  »الناسك«  من هذا النوع.

إنها لا تبدأ باعتراف، ولا تقدم لنا شخصية نعرفها، ولا تقول لنا من هو بطلها الحقيقي. وإنما تضعنا أمام رجل غامض اختار العزلة، وأغلق أبوابه، وأقام خلف سياج لا يسمح للمتطفلين بالوصول إليه.

ومنذ البيت الأول يبدأ السؤال:

من هذا الناسك؟

ولماذا اختار أن يعيش وحيدا؟

ومن الذي يخشاه حتى يحتاج إلى كل هذه الحصانة؟

ثم يظهر في المشهد شخص آخر أكثر غموضا : جار أبكم، لا يتكلم، ولا يبدو أنه يعرف أحدا، ولا يتجاوز حدود داره.

ولكن لماذا يهتم به ثلاثة من عالم الاستخبار؟

وهل يعرف هذا الجار شيئا لا يعرفه الآخرون؟

هنا تبدأ الحكاية.


المشهد الأول: ناسك خلف السياج

يقول الشاعر:

الناسك    المتعبّد    بمحرابه   ،   المعتزل  خلف  السياج الناري

مؤصد عن المتطفلين أبوابه   ،   عن  البشر  وعيونهم متوراي

إننا أمام شخصية اختارت العزلة اختيارا.

ليس سجينا أُجبر على الانفراد، ولا هاربا من عقوبة، وإنما ناسك؛ والمتعبد في محرابه لا ينتظر من الناس أن يقتحموا خلوته.

لكن الشاعر يزيد المشهد غموضا حين يضع بين الناسك والآخرين سياجا ناريا.

وهنا يتحول العزل إلى حصانة، وتصبح الأبواب المؤصدة علامة على أن وراءها شيئا لا يريد صاحبه أن يراه أحد.

ولعل أجمل ما في المشهد أن الشاعر لا يخبرنا بسبب هذه العزلة.

إنه يتركنا أمام الباب المغلق.

وهذا الباب هو أول أسرار القصيدة.


المشهد الثاني: جار لا يتكلم

لكن هذا الناسك، على الرغم من عزلته، ليس وحده تماما.

يقول:

له جارٍ أبكم  ما حسب لحسابه   ،   ولا توقّع  يعرف  الأسراري

جارٍ   محايد    ما  تعدا   أعتابه   ،   ولا جيّةٍ  تذكر ولا مسياري

هنا تظهر شخصية ثانية.

جار أبكم.

لا يتدخل، ولا يتجاوز عتبة داره، ولا يعرف عنه أنه يأتي أو يذهب.

جار مثالي لمن يريد أن يحفظ أسراره.

بل إن الناسك ـ على ما يبدو ـ لم يحسب له حسابا؛ لأنه لا يتوقع من الأبكم أن يقول شيئا.

وهكذا يبدو هذا الجار أقل الشخصيات إثارة للريبة.

لكن الشاعر، بذكاء روائي، يضعه في قلب الحكاية دون أن يخبرنا لماذا.

وهنا يزداد السؤال: ماذا يعرف هذا الجار؟

المشهد الثالث: ثلاثة غرباء يطوقون الجار

وفجأة يتغير كل شيء:

الجار هذا  راح يم أصحابه   ،   ثلاثةٍ  من  عالم   استخباري
تَحَلّقوا  حوله   تقول   ذيابه   ،   واستنطقوه وكان كاتب قاري

لم نعد أمام تأمل شعري هادئ.

لقد دخلنا إلى مشهد استخباري.

ثلاثة يحيطون بالجار.

والشاعر لا يقول "اجتمعوا حوله"، وإنما:

تحلقوا حوله تقول ذيابه

فيجعلهم كأنهم ذئاب تحاصر فريسة.

والأغرب أنهم يريدون استنطاق أبكم!

كيف يستنطقون من لا يتكلم؟

هنا تبلغ المفارقة ذروتها.

ثم تأتي كلمة:

وكان كاتب قاري

فتزداد حيرتنا.

إنه أبكم، نعم، لكنه كاتب.

أي أنه لا يتكلم بلسانه، لكنه يعرف وسيلة أخرى للتعبير.

وهنا، دون أن نشعر، بدأت القصيدة تلمّح إلى سرها الكبير.

المشهد الرابع: التحقيق يبدأ

يقولون له:

قالوا: تعرف الناسك ومحرابه   ،  وش قصته قابع ورى الأسواري؟

الآن أصبح الأمر واضحا: هؤلاء الثلاثة لا يريدون معرفة الجار نفسه.

إنهم يريدون معرفة الناسك.

يريدون الوصول إلى الرجل المختبئ خلف الأسوار، لكنهم لم يستطيعوا الوصول إليه مباشرة، فبحثوا عن أقرب من يمكن أن يعرفه.

يا لها من حيلة!

وحين يُسأل الجار، لا يندفع إلى الحديث، بل يقول:

قال: إيه أعرفه! بس ليه أغتابه   ،   لكن أبـ أكتب مؤجز الأخباري

هنا يتوقف المشهد قليلا.

فالجار يعرف.

لكنه لا يريد أن يغتاب.

إنها أول إشارة إلى أن ما سيكشفه ليس فضيحة، بل حقيقة.

وسوف يكتب.

والكتابة هنا ليست مجرد وسيلة للإجابة، وإنما مفتاح الباب الذي عجز المتطفلون عن فتحه.

المشهد الخامس: ماذا وراء الباب؟

يبدأ الجار الأبكم في تقديم تقريره.

وفجأة تتغير صورة الناسك.

لم يعد شخصا غامضا يختبئ خلف الأسوار، وإنما نكتشف أنه:

هذا يخاف الله ويخشى عقابه   ،   ويطمع بجناته ويخشى الناري

ثم نكتشف قدوته:

ومحمد الهادي وكل أصحابه   ،  هم قدوته لاعميت الأبصاري

ثم نكتشف حبه لوطنه:

وهذا الوطن مبلي بحب ترابه   ،  ولا قيّمه بالمال والديناري

ثم نكتشف أنه يحمل هم أمته:

لكن يحس إنه يعيش بغابه   ،   يوم أمته ذابت بالاستعماري

لقد بدأ الناسك يخرج من خلف الأسوار.

لكن الغريب أن كلما عرفنا عنه شيئا، ازداد احترامنا له، ولم تزد معرفتنا بسر مشين.

وهنا يبدأ الشاعر في قلب مفهوم التجسس نفسه.

لقد جاؤوا يبحثون عن عيب، فوجدوا قيمة.

جاؤوا يبحثون عن سر، فوجدوا ضميرا.

جاؤوا يبحثون عن فضيحة، فاكتشفوا إنسانا.

المشهد السادس: حين يغضب الناسك

ثم نكتشف أن هذا الناسك ليس هادئا دائما:

هذا يهيج ويستفز أعصابه   ،  الموقف المتخاذل الغداري

إنه يغضب حين يرى التخاذل.

ويموت ألما حين يتأذى أحبابه:

هذا يموت إذا تأذّى أحبابه   ،  لاشافهم ما بين سَوْم و شاري

ثم يشتد غضبه:

هذا ليا منه لقط مشعابه  ،  يصكّ كل منافقٍ هذاري

وتظهر هنا شخصية مختلفة: إنسان يكره النفاق، ولا يحتمل المزايدة، ولا يطيق المديح الكاذب:

ويكره مديح العالم الكذابه   ،  ويصوّر الكذاب واقف عاري

وهذه من أكثر الصور إثارة في النص.

فالكاتب لا يعرّي جسدا، وإنما يعرّي الحقيقة.

الكذاب الذي كان يختبئ خلف الكلام الجميل، يجعله الكاتب واقفا بلا ستار.

وكأن الكتابة عند هذا الناسك ليست وسيلة للحديث، وإنما وسيلة لكشف الأقنعة.

المشهد السابع: سر آخر أخطر من الغضب

لكن التحقيق لم ينته.

فثمة جانب آخر في شخصية الناسك لم نره بعد.

يقول الشاعر:

عاش الضمير الحي في جلبابه  ،  والصدق دايم له خوي امباري

هنا ندرك أن الغضب ليس طبعه، وإنما نتيجة لضمير حي.

ثم تأتي المفاجأة الإنسانية الأجمل:

هذا تلوّى العاطفة بثيابه   ،  ويرعى لها ويضمها ويداري

ثم يبدأ الناسك في البكاء.

لكن على ماذا؟

يُبكيه جور الحاجة الغلابة   ،  إن جاء لها بين السوالف طاري

ويبكيه الطفل:

ويُبكيه طفلٍ دمعته سكابه

وتبكيه المرأة:

وتُبكيه حرّة عينها مدراري

ويبكيه الشيخ الذي فقد أبناءه:

ويُبكيه شيخٍ شايبات أهدابه   ،  ماتوا عياله عن يتامى صغاري

وهنا يحدث تحول عميق في صورة الناسك.

لقد ظنناه في البداية رجلا يهرب من الناس.

ثم اكتشفنا أنه رجل يحمل الناس في قلبه.

إنه معتزل عن عيون البشر، لكنه ليس معتزلا عن آلام البشر.

وهذه واحدة من أجمل مفارقات القصيدة.

المشهد الثامن: الناسك نفسه متعب

وحتى هذا الناسك العطوف لم تسلم حياته من التعب:

هذا كواه الهم في مشهابه  ،  هذا جرى له من ظروفه جاري

ثم:

هذا بنى بيته وشد أطنابه   ،  والصبر واسط ثابتٍ كالصاري

لقد بنى بيته، وشد أطنابه، وواجه ظروفه بالصبر.

وهنا تتضح لنا شخصية الإنسان كاملة:

إيمان.

وطن.

ضمير.

صدق.

رفض للنفاق.

رحمة بالمحتاج.

حزن على الطفل.

شفقة على المرأة.

حزن على الشيخ.

ثم صبر على أوجاعه الخاصة.

لكن يبقى السؤال قائما:

من هو هذا الناسك؟

ولماذا يبدو قريبا منا إلى هذا الحد؟


لحظة الكشف

لقد طال بنا التجسس.

وسمعنا التقرير كله.

وعرفنا أخلاق الناسك، ومواقفه، وأحزانه، وصبره.

ثم يقول الشاعر:

هذا يالو اكتب جزء من أتعابه  ،  أتعبتكم ويطول ليل الساري
وإن كان ما تدرون، فالإجابه:

ثم يرفع الستار عن السر الذي أخفاه منذ بداية القصيدة:

الناسك: القلب الذي بايساري

هنا تتغير القصيدة كلها.

وفجأة نعود بأذهاننا إلى الأبيات الأولى.

السياج.

الأبواب.

العزلة.

المحراب.

المتطفلون.

كلها لم تكن كما ظننا.

لقد كان الناسك القلب.

وهنا تظهر براعة البناء: الشاعر لم يخبرنا بالحقيقة ثم يبني عليها، بل جعلنا نعيش داخل الرمز أولا، ثم كشف لنا مفتاحه في النهاية.

وهذه ليست مجرد مفاجأة لفظية، بل إعادة تفسير للنص كله.

لكن ماذا عن الجار الأبكم؟

لم ينته السر.

فالشاعر يقول:

والجار الأبكم: ما هو من أقرابه   ،  ما يشرب إلاّ من أزرق الأحباري

الآن فقط نعرف أن الجار الذي ظنناه شخصية من شخصيات القصة ليس إنسانا.

إنه القلم.

جار القلب والذي في يقيم في جيب ثوب الشخص وأكثر اِلتصاقاً ومجاورة لقلبه.

والقلم أبكم فعلا؛ لا صوت له، ولا لسان، ولا يستطيع أن يفشي سرا ما لم تحركه يد.

لكنه يشرب من الحبر.

وحين يشرب القلم من "أزرق الأحباري"، يبدأ القلب في الظهور على الورق.

وهنا تتولد واحدة من أجمل أفكار القصيدة:

القلم لا يملك الكلام، لكنه يملك الكشف.


ومن هم رجال الاستخبار؟

لم يبق إلا الثلاثة الذين حاصروا الجار.

يقول الشاعر:

و وسطاي  و الإبهام  و السبابة  ،  هم الثلاثة  كاشفين  أسراري

يا لها من نهاية تعيد ترتيب القصيدة كلها!

الثلاثة الذين ظنناهم محققين ليسوا بشرا.

إنهم أصابع اليد.

وهم الذين يستنطقون القلم.

وهكذا تكتمل الحكاية:

قلب يخفي.

وقلم يجاور.

وأصابع تستنطق.

وحبر يسيل.

وورق يتلقى.

ثم تظهر الأسرار.

إنها عملية كتابة تحولت في يد الشاعر إلى قصة تجسس كاملة.


وهنا تبدأ القراءة الحقيقية

بعد أن انكشف كل شيء، يمكننا الآن أن نعود إلى القصيدة لا لنعرف "من هو الناسك"، فقد عرفناه، وإنما لنسأل:

لماذا اختار الشاعر هذا البناء الغريب؟

لأن الفكرة التي يريد إيصالها ليست مجرد أن القلب يحب ويكره ويحزن.

الفكرة أعمق:

الإنسان يستطيع أن يخفي قلبه عن الناس، لكنه قد لا يستطيع أن يخفيه عن قلمه.

فالكتابة الصادقة نوع من الاعتراف غير المباشر.

قد لا يقول الإنسان:

أنا رحيم.

لكن القلم يكشف رحمته حين يكتب عن طفل يبكي.

وقد لا يقول:

أنا أتألم من الظلم.

لكن القلم يكشف ذلك حين يكتب عن المحتاج والمرأة المكلومة والشيخ الذي فقد أبناءه.

وقد لا يقول:

أنا أكره النفاق.

لكن القلم يرسم الكذاب "واقف عاري".

وهكذا يصبح القلم في القصيدة المخبر الذي لا يكذب.

التجسس الذي لم يكشف عيبا

والأجمل أن عملية التجسس في هذه القصيدة تنتهي بنتيجة عكس المتوقع.

عادة حين يتجسس الناس على إنسان يبحثون عن عثراته.

أما هنا، فقد كشف التجسس جماله.

لقد دخلنا وراء السياج بحثا عن سر، فوجدنا إيمانا.

وبحثنا عن عيب، فوجدنا ضميرا.

وبحثنا عن ضعف، فوجدنا صبرا.

وبحثنا عن قسوة، فوجدنا رحمة.

وبحثنا عن عزلة، فوجدنا إنسانا يعيش في قلبه الناس جميعا.

وهنا يتحول عنوان القصيدة نفسه إلى معنى فلسفي:

حين يتجسس الصمت على الصمت، لا يبقى الصمت صامتا.

فالقلب صامت.

والقلم صامت.

لكن أحدهما يفضح الآخر.

القصة والمسرح داخل القصيدة

ومن أجمل ما يلفت النظر أن الشاعر لم يكتب قصيدة وصفية تقليدية، بل بنى مشهدا مسرحيا مصغرا.

لدينا:

شخصية رئيسية غائبة: الناسك.

وشخصية ثانية: الجار الأبكم.

وثلاث شخصيات تستجوبه.

ومكان: محراب وسياج وأبواب.

وسؤال.

وجواب.

واستجواب.

وتقرير.

ثم كشف نهائي.

وهذا يمنح القصيدة حركة درامية لا تجعل القارئ مستمعا إلى وصف، بل تجعله متفرجا على حدث.

بل إن الشاعر مارس معنا لعبة سردية ذكية: جعلنا نبحث عن هوية الشخصيات كما يبحث رجال الاستخبار عن الناسك.

فالقارئ نفسه أصبح، من حيث لا يشعر، واحدا من المتجسسين!

وهذه نقطة فنية بالغة الجمال.


الصورة الشعرية بين الغرابة والبساطة

القصيدة لا تعتمد على الصور الغامضة المتكلفة، وإنما تأخذ أشياء مألوفة وتحول وظائفها.

القلب يصبح ناسكا.

القلم يصبح جارا.

الأصابع تصبح محققين.

الحبر يصبح شرابا.

الكتابة تصبح استنطاقا.

والقلم يجعل الكذاب عاريا.

والصبر يصبح صاريا يحمل البيت.

وهذا النوع من التصوير هو الذي يجعل الفكرة الغريبة قابلة للتلقي؛ لأن الشاعر لا يشرح الفكرة، بل يجسدها.


فلسفة القلب والكتابة

تصل القصيدة في نهايتها إلى سؤال إنساني كبير:

أيهما أصدق في كشف الإنسان: كلامه أم كتابته؟

قد يستطيع الإنسان أن ينتقي كلامه.

وقد يستطيع أن يخفي مشاعره.

وقد يستطيع أن يصنع صورة عن نفسه أمام الآخرين.

لكن حين يكتب بعفوية، فإن شيئا من حقيقته يتسلل إلى الكلمات.

ولهذا فإن القلم هنا ليس مجرد أداة، بل هو مرآة داخلية.

إنه لا يكشف الوجه الذي يراه الناس، وإنما يكشف الوجه الذي يراه القلب.

وهذا ما يجعل القصيدة تتجاوز طرافتها إلى منطقة فلسفية جميلة:

الإنسان يكتب عن الأشياء، لكنه في الحقيقة يكتب عن نفسه أيضا.


إنسانية الناسك

وحين نعرف أخيرا أن الناسك هو القلب، تصبح كل الصفات التي كشفها القلم أكثر عمقا.

فهذا القلب ليس قلبا منعزلا عن العالم.

إنه قلب يحمل إيمانه، وحبه لوطنه، وغيرته على أمته، ونفوره من النفاق، وتألمه من الظلم، ورقته تجاه المحتاجين.

بل إن دموعه هي أكثر ما يكشف حقيقته.

فالذي يبكي لطفل لا يعرفه، أو لشيخ فقد أبناءه، أو لامرأة أوجعتها الحياة، ليس إنسانا يعيش لنفسه.

وهنا تقول القصيدة شيئا جميلا عن معنى القوة:

القلب القوي ليس الذي لا يبكي، وإنما الذي يستطيع أن يحمل ألمه وألم الآخرين ثم يواصل الطريق.

ولهذا تأتي صورة الصبر في نهاية الرحلة كأنها آخر أعمدة هذا البيت الداخلي.


أسرار القلب لا تنتهي

ولعل أجمل ما في الخاتمة أن القلم لا يدعي أنه كشف كل شيء.

يقول:

هذا يالو اكتب جزء من أتعابه    ،   أتعبتكم ويطول ليل الساري

جزء من أتعابه.

وهذه العبارة الصغيرة تحمل معنى كبيرا.

فكل ما قرأناه ليس حياة القلب كلها.

إنما هو جزء.

وهذا يليق تماما بفلسفة النص؛ لأن القلب أوسع من أن يحتويه قلم، وأعمق من أن تكشفه قصيدة واحدة.

لقد فتح القلم نافذة فقط.

أما ما وراء النافذة، فبحر آخر.


خاتمة: حين يفضح القلم صاحبه

في النهاية، لا يكون أجمل ما في القصيدة أنها أخفت الناسك ثم كشفت هويته، ولا أنها جعلت القلم جارا أبكم، ولا أنها حولت الأصابع إلى رجال استخبار.

كل ذلك جميل.

لكن الأجمل أن الشاعر استخدم هذه الحيلة الفنية ليقول لنا شيئا عن الإنسان.

فالإنسان قد يغلق أبواب قلبه.

وقد يضع حوله أسوارا.

وقد يعتزل الناس.

وقد يصمت.

لكن هناك جار لا ينتبه إليه:

القلم.

وهناك ثلاثة لا يملك أن يمنعهم من الوصول إليه:

الإبهام والسبابة والوسطى.

وحين يبدأ القلم في السير فوق الورق، لا يعود القلب قادرا على الاختباء كما كان.

وهكذا يصبح البوح نوعا من التجسس الجميل؛ تجسس لا يفتش عن العيوب، وإنما يكشف ما وراء الظواهر من إيمان وضمير وصدق ورحمة وحب ووطن وألم وصبر.

إنها قصيدة جعلت من عملية الكتابة نفسها مغامرة.

وجعلت من القلب ناسكا.

ومن القلم جارا أبكم.

ومن الأصابع رجال استخبار.

وجعلتنا نحن القراء شركاء في التحقيق، حتى إذا بلغنا النهاية وجدنا أننا كنا نبحث عن شخص، فإذا بنا نبحث عن إنسان.

والآن، بعد أن انكشف الناسك، وعُرف جاره الأبكم، وانكشف أمر الثلاثة الذين استنطقوه، يمكن العودة إلى القصيدة من أولها بعين أخرى؛ فقد أصبحت كل صورة فيها تحمل سرا، وكل بيت صار يقول أكثر مما كان يقول في القراءة الأولى.

وإليكم النص بأكمله ، لتتذوقوه بوصفه أبياتا فحسب، وإنما بوصفه حكاية ومشهدا ورمزا ورحلة إلى أعماق القلب:


الناسك


الناسك المتعبّد بمحرابه
                         المعتزل خلف السياج الناري
مؤصد عن المتطفلين أبوابه
                          عن البشر وعيونهم متوراي
له جارٍ أبكم ماحسب لحسابه
                                ولاتوقّع يعرف الأسراري
جارٍ محايد ماتعدا أعتابه
                        ولا جيّةٍ تذكر ولا مسياري
الجار هذا راح يم أصحابه
                            ثلاثةٍ من عالم استخباري
تحلقوا حوله تقول ذيابه
           واستنطقوه وكان كاتب قاري
قالوا: تعرف الناسك ومحرابه
                 وش قصته قابع ورى الأسواري؟
قال: إيه أعرفه! بس ليه أغتابه
               لكن أبكتب مؤجز الأخباري
هذا يخاف الله ويخشى عقابه
             ويطمع بجناته ويخشى الناري
ومحمد الهادي وكل أصحابه
                  هم قدوته لاعميت الأبصاري
وهذا الوطن مبلي بحب ترابه
                        ولا قيّمه بالمال والديناري
لكن يحس إنه يعيش بغابه
                  يوم أمته ذابت بالاستعماري
هذا يهيج ويستفز أعصابه
                           الموقف المتخاذل الغداري
هذا يموت إذا تأذّى أحبابه
                     لاشافهم ما بين سَوْم و شاري
هذا ليا منه لقط مشعابه
                          يصكّ كل منافقٍ هذاري
ويكره مديح العالم الكذابه
                    ويصوّر الكذاب واقف عاري
عاش الضمير الحي في جلبابه
                     والصدق دايم له خوي امباري
هذا تلوّى العاطفة بثيابه
                      ويرعى لها ويضمها ويداري
يُبكيه جور الحاجة الغلابة
                  إن جاء لها بين السوالف طاري
ويُبكيه طفلٍ دمعته سكابه
                    وتُبكيه حرّة عينها مدراري
ويُبكيه شيخٍ شايبات أهدابه
                ماتوا عياله عن يتامى صغاري
هذا كواه الهم في مشهابه
                     هذا جرى له من ظروفه جاري
هذا بنى بيته وشد أطنابه
              والصبر واسط ثابتٍ كالصاري
هذا يالو اكتب جزء من أتعابه
                أتعبتكم ويطول ليل الساري
وإن كان ماتدرون، فالإجابه:
                   الناسك: القلب الذي بايساري
والجار الأبكم: ماهو من أقرابه
                   مايشرب إلاّ من أزرق الأحباري
ووسطاي والإبهام والسبابة
                   هم الثلاثة كاشفين أسراري


عبد العزيز شداد الحيسوني الحربي

09‏/08‏/2026

قراءة أدبية وإنسانية في قصيدة ( تكفون يا أهل الثروة ) لـ عبد العزيز بن شداد الحيسوني

تكفون يا أهل الثروة

قراءة أدبية وإنسانية في قصيدة عبد العزيز بن شداد الحيسوني الحربي

مقدمة

بعض القصائد تصف الفقر، وبعضها تجعله محسوسًا، وقليل منها يستطيع أن يجعل القارئ يرى الإنسان المختبئ خلف الفقر، فيعرف أخلاقه، ويسمع صمته، ويدخل بيته، ويلمس معاناة زوجته وأطفاله، ثم يخرج من الحكاية وهو يشعر أن النجدة لم تعد فضيلةً مستحبة فحسب، بل مسؤولية أخلاقية.

ومن هذا النوع تأتي قصيدة «تكفون يا أهل الثروة» للشاعر عبد العزيز بن شداد الحيسوني الحربي؛ فهي لا تتخذ من الفقير موضوعًا للشفقة، وإنما تقدمه إنسانًا كريمًا عزيز النفس، هزمته ظروف الحياة ولم تهزمه من الداخل، ثم تجعل من قصته نداءً إلى أهل القدرة والمروءة.

واللافت أن القصيدة لا تبني مأساة الرجل على الفقر وحده، بل تكشف كيف يتسلل العجز المادي إلى كل تفاصيل الحياة: إلى البيت، والسيارة، والمطبخ، والزوجة، والأطفال، وحتى إلى كرامة الإنسان وقدرته على الحركة.

ومن هنا فإن عنوان القصيدة نفسه، «تكفون يا أهل الثروة»، لا يعني مجرد طلب المال؛ فكلمة «تكفون» في ثقافة المروءة رجاءٌ يوجه إلى أهل الكفاءة والنجدة، وهي كلمة تقال بعزة لا بذلة، وكأن القائل يقول: أنتم أهلٌ لأن يُرجى منكم الفعل حين تضيق السبل.

النص

يقبع ورى جدرانه ، ولادروا جيرانه

عن وضعه المتردي ، عن حاله التعبانه

مايشكي إلا لربه ، فقره وكبر أحزانه

رجل كريم وطيب ، وبالله عظيم إيمانه

سيارته مركونة ، لها شهر عطلانة

وأثاث بيته كله ، ماتفيد فيه صيانة

مكيفه مايعمل ، وثلاجته خربانة

والمطبخ المتهالك ، والفرن والطحانة

كله حطام مكسر ، دولابه وقدحانه

مخلوعة بيبانه ، ومصدَّعة حيطانه

حلمه يحصل مسكن ، يلم به ورعانه

مؤجره شهرياً ، يطلق عليه لسانه

والزوجة المستورة ، مقهورة وحيرانة

مافي يديها حيلة ، واطفالها صبيانه

وعيالهم لاتسأل ، كلٍ بكاه أخوانه

أجسادهم عريانة ، وأقدامهم حفيانة

وإذا ظهر واحدهم ، ضحك عليه أقرانه

من شأنهم صبارة ، ومتحملة من شأنه

ومن أجل مايتأثر ، ويهلّ دمع أعيانه

تقول له يالغالي ، ماللتضجر خانه

تدرون ليش تحبه ، رحيم في شيبانه

شهمٍ عطوفٍ صابر، كريم في ضيفانه

مقدّرٍ في ربعه ، خيّر وسيع بطانه

ماعابه إلا الحاجة ، وطيبه وكثر احسانه

حرٍ صقر لكنه ، مكسرة جنحانه

بالله كيف يحلّق، وصقاره الديانة

تمسكوا بسبوقه ، لين اجرحوا سيقانه

وده يطير ويرحل، بعيد لكن خانه

المال ما هو عنده ، والفقر هد أركانه

تكفون ياأهل الثروة ، تحركوا من شأنه

من مالكم جودوا له ، واهتموا بمسكانه

ثم اشتروا له موتر ، جديد من دكانه

وأعطوه مال يعوِّض ، ما راحت من أزمانه

حتى نشوف الأسرة ، مسرورة وفرحانة

ومن مثل هذا واجد ، متغرّبٍ بأوطانه

تكفون لاتنسوهم ، أنتم هله واخوانه

والله ماينساكم ، رب الملا سبحانه

 

الإبحار في النص

من خلف الجدران تبدأ الحكاية

يفتتح الشاعر قصيدته بصورة شديدة الدلالة:

«يقبع ورى جدرانه ، ولادروا جيرانه»

لم يقل: يسكن في بيته، وإنما قال «يقبع»، وهي كلمة توحي بالانكماش والانكفاء واللزوم، وكأن الرجل أصبح محاصرًا داخل جدرانه من شدة ما نزل به.

ثم تأتي المفارقة:

«ولادروا جيرانه»

فالناس قريبون منه في المكان، لكنهم بعيدون عن معرفة حاله.

وهذه بداية ذكية؛ لأن الشاعر يضعنا أمام نوع من الفقر الصامت، ذلك الفقر الذي لا يراه الناس لأنه لا يمد يده، ولا يشتكي، ولا يطلب، وإنما يختبئ خلف الجدران حفاظًا على كرامته.

ثم يكشف الشاعر السبب:

«مايشكي إلا لربه ، فقره وكبر أحزانه

رجل كريم وطيب ، وبالله عظيم إيمانه»

وهنا يضع الشاعر مفتاح قراءة الشخصية كلها.

هذا ليس رجلًا اعتاد السؤال، ولا شخصًا جعل الفقر مبررًا للتذمر؛ إنه رجل كريم وطيب، عظيم الإيمان، لا يشكو إلا إلى ربه.

وهكذا تضع القصيدة منذ بدايتها فرقًا واضحًا بين الفقر الذي أصاب حال الرجل، والكرامة التي لم تصب روحه.


الفقر حين يتحول إلى مشاهد

بعد ذلك لا يقول الشاعر إن البيت فقير وحسب، بل يجعل القارئ يراه:

«سيارته مركونة ، لها شهر عطلانة

وأثاث بيته كله ، ماتفيد فيه صيانة»

ثم:

«مكيفه مايعمل ، وثلاجته خربانة

والمطبخ المتهالك ، والفرن والطحانة»

ثم يبلغ المشهد ذروة الانهيار:

«كله حطام مكسر ، دولابه وقدحانه

مخلوعة بيبانه ، ومصدَّعة حيطانه»

هنا تتراكم الأشياء التالفة كما تتراكم الهموم.

سيارة لا تتحرك، وأثاث لا تنفع فيه صيانة، ومكيف وثلاجة، ومطبخ، وأوانٍ، وأبواب، وجدران.

وليس هذا التعداد مجرد حشد للأشياء؛ إنه تصوير لفقرٍ صار جزءًا من البنية المادية للحياة كلها.

حتى كلمة «قدحانه»، بما تحمله من معنى أواني الطعام والشراب والقدور والملاعق والصحون وغيرها، تجعل الصورة أكثر التصاقًا بالبيت الشعبي وحياة الأسرة اليومية.

إن الفقر هنا ليس رقمًا في حساب، بل أشياء مكسورة يراها الإنسان كل يوم.

 

البيت الذي لا يملكه ساكنه

ثم تأتي واحدة من أهم المفارقات في القصيدة:

«حلمه يحصل مسكن ، يلم به ورعانه

مؤجره شهرياً ، يطلق عليه لسانه»

فحتى هذا البيت المتهالك ليس ملكًا للرجل؛ إنه مستأجر.

وهذا يضاعف المأساة؛ لأنه لا يستطيع استئجار بيت أفضل، فيضطر إلى العيش في بيت لا يليق بحياة أسرته، ثم يأتي الإيجار كل شهر ليضيف إلى همومه همًا جديدًا.

وتحمل عبارة «يطلق عليه لسانه» إيحاءً مؤلمًا؛ فالمؤجر يطالبه بالإيجار، وعند العجز عن الدفع قد يشتد عليه الكلام.

لكن جمال القصيدة هنا أنها لا تجعل المؤجر شريرًا بالضرورة، ولا تدينه إدانة جاهزة؛ فقد يكون هو الآخر محدود الحال، وربما لا يملك من الدنيا إلا هذا البيت المتهالك، وربما كان الإيجار الزهيد الذي يحصل عليه منه موردًا لا يستطيع الاستغناء عنه.

وهكذا نجد طرفين قد يكونان معًا تحت ضغط الحاجة:

مستأجر يحتاج إلى المسكن، ومؤجر يحتاج إلى الإيجار.

وقد تقسو الحياة على أحدهما حتى يشتد لسانه على الآخر.

ولهذا لا يأتي حل الشاعر بإدانة المؤجر أو بمجرد دفع إيجار شهر أو شهرين، وإنما يأتي بحل أعمق:

«من مالكم جودوا له ، واهتموا بمسكانه»

أي أخرجوا الأسرة من دائرة الحاجة أصلًا، واشتروا لها مسكنًا يضمها ويسترها.

وهنا تتحول الصدقة من إطفاء مؤقت للحريق إلى إزالة لأصل المشكلة.

 

الزوجة المستورة... شريكة الألم وشريكة الصبر

بعد أن رسم الشاعر البيت، ينتقل إلى المرأة التي تحمل نصف مأساة الأسرة:

«والزوجة المستورة ، مقهورة وحيرانة

مافي يديها حيلة ، واطفالها صبيانه»

ووصفها بـ «المستورة» يحمل تقديرًا أخلاقيًا لها؛ فهي امرأة محافظة على بيتها وكرامتها، لكنها واقعة تحت ضغط لا تملك أدوات تغييره.

ومع ذلك لا يجعلها الشاعر امرأة ساخطه على زوجها، بل يكشف عن معدنها الحقيقي:

«من شأنهم صبارة، ومتحملة من شأنه

ومن أجل مايتأثر ، ويهلّ دمع أعيانه»

إنها تعرف أن زوجها متألم، ولذلك تحاول ألا تضيف إلى ألمه ألمًا.

هي معوانٌ له على تحمل الظروف، وليست عبئًا عليه.

إنها ترفق به لأنه زوجها وأبو أطفالها، ولأنها تعرف أنه لم يقصر في حقهم عن عمد، وإنما قيدته الحاجة.

ولهذا تقول له:

«تقول له يالغالي ، ماللتضجر خانه»

يا لها من كلمة زوجة تعرف زوجها وتعرف موضع الألم فيه.

فهي لا تقول له: لماذا لم توفر لنا؟ ولا تلومه على فقره، وإنما تحاول أن تمنحه شيئًا من القوة النفسية التي سلبتها منه الظروف.

 

«تدرون ليش تحبه؟»... مفتاح العلاقة الزوجية

ومن أجمل التحولات في القصيدة أن الشاعر لا يكتفي بوصف صبر الزوجة، بل يجيب عن سؤال جوهري:

لماذا تحبه هذه المرأة رغم كل هذه المعاناة؟

فيقول:

«تدرون ليش تحبه، رحيم في شيبانه

شهمٍ عطوفٍ صابر، كريم في ضيفانه

مقدّرٍ في ربعه ، خيّر وسيع بطانه

ماعابه إلا الحاجة ، وطيبه وكثر احسانه»

هنا يكشف الشاعر أن حب الزوجة لم يُبنَ على المال.

إنها تحبه لأنه بارّ بوالديه، رحيم في شيبانه، وشهم عطوف صابر، كريم مع ضيوفه، مقدّر بين قومه، خير، واسع الصدر، كثير الإحسان.

وهذا من أصدق مواضع القصيدة إنسانيًا؛ فالمرأة لم تتعلق بما في جيبه، وإنما تعلقت بمعدنه.

ولذلك فإن الفقر لم يسقطه من عينها.

بل إن معرفتها بماضيه وخلقه هي التي جعلتها أكثر رحمة به في حاضره.

وهنا تأتي العبارة البليغة:

«ما عابه إلا الحاجة»

وكأن الشاعر يريد أن يقول:

لو نزعت عنه الفقر، لم يبق فيه ما يُعاب.

فهو ليس بخيلًا، ولا مهملًا، ولا سيئ الخلق، ولا قاسيًا، ولا مقصرًا في حق أسرته من حيث الرغبة والخلق؛ وإنما الحاجة هي التي حالت بينه وبين ما يريد لأهله.

وهذه نقطة جوهرية في القصيدة؛ لأن الزوجة تعرف أن الرجل الذي أمامها هو نفسه الرجل الكريم الذي عرفته، لكن الحياة سلبته القدرة.

 

الأطفال... ضحايا لا يستطيعون إخفاء وجعهم

ثم تنتقل القصيدة إلى أكثر فئات الأسرة عجزًا عن إخفاء الألم:

«وعيالهم لاتسأل ، كلٍ بكاه أخوانه

أجسادهم عريانة ، وأقدامهم حفيانة

وإذا ظهر واحدهم ، ضحك عليه أقرانه»

الأطفال هنا ليسوا مجرد تابعين للقصة، بل هم أكثر ضحاياها براءة.

هم لا يملكون القدرة على ستر الفقر كما يفعل الأب.

ولا يملكون صبر الأم.

ولا يفهمون لماذا لا يملكون ما يملكه أقرانهم.

وحين يخرج أحدهم إلى الناس، يواجه أعين أقرانه وضحكاتهم.

ولذلك فإن قوله:

«وإذا ظهر واحدهم ، ضحك عليه أقرانه»

يصور نوعًا آخر من الفقر: فقر الكرامة الاجتماعية في عين الطفل.

فالطفل لا يخجل من أبيه، ولا من أمه، وإنما يخشى أن يراه الآخرون في ثياب بالية أو بقدمين حافيتين، ثم يقارنوه بأقرانه.

والأشد إيلامًا أن الشاعر يقول:

«كلٍ بكاه أخوانه»

أي أن كل طفل لا يعيش ألمه وحده؛ إنه يرى حال إخوته، فيبكي لحالهم، كما يبكي لحاله.

وهنا تصبح الأسرة كلها دائرة من الألم المتبادل:

الأب يتألم لأطفاله.

والأم تتألم لزوجها وأطفالها.

والأطفال يتألمون لأنفسهم ولإخوانهم.

فلا أحد في البيت يملك ترف الأنانية.

وكل واحد منهم يحمل جزءًا من وجع الآخر.

وهذه من أكثر الصور الإنسانية تأثيرًا في النص.

 

الصقر المكسور الجناحين... الصورة التي تختصر الرجل

بعد أن يصف الشاعر حياة الرجل، يعود إلى جوهر شخصيته:

«حرٍ صقر لكنه ، مكسرة جنحانه»

هذه ليست مجرد استعارة جميلة؛ إنها خلاصة القصيدة كلها.

الرجل حر في طبعه، عزيز في نفسه، كريم في خلقه، لكنه كالصقر الذي انكسرت جناحاه.

ثم يقول:

«بالله كيف يحلّق، وصقاره الديانة»

أي كيف يستطيع التحليق وقد قُيدت قدرته؟

ثم تأتي صورة السبوق:

«تمسكوا بسبوقه، لين اجرحوا سيقانه»

فالصقر يريد الطيران، لكن القيد يمنعه.

وهنا يصبح الفقر نفسه هو السبوق.

الرجل يريد أن يعمل، وأن يوفر لأسرته، وأن يسكنها، وأن يشتري لعياله، وأن يعيش حياة طبيعية، لكن المال ليس عنده.

ولهذا:

«وده يطير ويرحل، بعيد لكن خانه

المال ماهو عنده ، والفقر هد أركانه»

وهذه العبارة تلخص الفرق بين العجز عن الرغبة والعجز عن القدرة.

هو يريد، لكنه لا يستطيع.

ليس لأنه كسول، ولا لأنه سيئ، وإنما لأن جناحيه مكسوران.

 

من تصوير المأساة إلى استنهاض المروءة

بعد أن استوفى الشاعر بناء المأساة، ينتقل انتقالًا طبيعيًا إلى النداء:

«تكفون يا أهل الثروة ، تحركوا من شأنه»

لاحظ أن الشاعر لم يقل: ابكوا عليه.

ولم يقل: اشفقوا عليه.

بل قال:

«تحركوا».

وهنا تتحول القصيدة من وصف إلى فعل.

ثم يحدد المطلوب:

«من مالكم جودوا له ، واهتموا بمسكانه

ثم اشتروا له موتر ، جديد من دكانه»

وهذه نقطة بالغة الأهمية في فلسفة النص.

الشاعر لا يريد مساعدة مؤقتة تبقي الرجل أسيرًا للحاجة.

إنه يريد أن يُشترى له مسكن يخرجه من ذل الإيجار وملاحقة الإيجار الشهري، ويعيد للأسرة استقرارها، ثم تُشترى له سيارة تعيد إليه القدرة على الحركة.

ثم يقول:

«وأعطوه مال يعوِّض ، ما راحت من أزمانه»

أي أن المطلوب ليس فقط إيقاف الألم الحالي، وإنما محاولة تعويض ما أفسدته السنوات.

وهذا هو الإحسان الذي يغيّر حياة الإنسان، لا الذي يؤجل أزمته أيامًا.

 

من رجل واحد إلى آخرين كثيرين

ولا يسمح الشاعر للقارئ أن يظن أن هذه حالة استثنائية:

«ومن مثل هذا واجد، متغرّبٍ بأوطانه»

فهناك كثيرون يعيشون مثل هذا الرجل.

قد يكونون قريبين من الناس، لكنهم مختبئون خلف جدرانهم.

وقد يراهم المجتمع كل يوم، ولا يعرف ما وراء وجوههم.

وقد يكون بينهم من كان كريمًا بالأمس، لكنه أصبح محتاجًا اليوم.

ومن هنا يأتي النداء الثاني:

«تكفون لاتنسوهم، أنتم هله واخوانه»

فالمجتمع عند الشاعر ليس أفرادًا متجاورين، بل أهل وإخوان.

والثروة ليست مجرد امتلاك، بل قدرة على رفع الضرر عن الآخرين.

البعد الأخلاقي والفلسفي

تطرح القصيدة سؤالًا عميقًا:

هل قيمة الإنسان بما يملك، أم بما يكون؟

والإجابة تأتي واضحة في شخصية الرجل.

لقد فقد المال، لكنه لم يفقد:

الإيمان.

والكرم.

والشجاعة.

والرحمة.

والبر بالوالدين.

والشهامة.

والصبر.

والإحسان.

والمكانة بين قومه.

فالقصيدة تفصل بوضوح بين الفقر المادي والفقر الأخلاقي.

وقد يكون الإنسان فقيرًا في المال غنيًا في الخلق، وقد يكون غنيًا في المال فقيرًا في المروءة.

ومن هنا يصبح نداء الشاعر لأهل الثروة نداءً إلى استخدام الثروة في مكانها الأجمل: حفظ كرامة الإنسان.

 

جمال الإنصاف في القصيدة

ومن أجمل ما يميز النص أنه لا يبني قضية الفقير على شيطنة الغني.

حتى المؤجر الذي يطلق لسانه على المستأجر لم يصوره الشاعر وحشًا أو ظالمًا، بل ترك وراء الصورة احتمالات إنسانية مفتوحة.

فربما كان المؤجر نفسه فقيرًا.

وربما لم يملك إلا هذا البيت المتهالك.

وربما كان الإيجار القليل الذي يأتيه كل شهر هو ما يعيش عليه.

وهكذا فإن قسوة الحياة قد تدفع محتاجًا إلى الضغط على محتاج آخر.

وهذا يجعل الحل الذي يقترحه الشاعر أكثر حكمة:

لا تُصلح المشكلة بدفع إيجار جديد فحسب؛ أخرج الأسرة من دائرة الإيجار أصلًا.

اشتروا له بيتًا.

وأغنوه عن هذا البيت.

وأعيدوا إليه جناحيه.

ثم أعطوه وسيلة الحركة.

ثم أعينوه على تعويض ما فاته.

وهكذا يتحول الإحسان إلى تحرير من الحاجة.

 

البعد البلاغي في البناء

اعتمد الشاعر على صور مأخوذة من الحياة اليومية، ولذلك جاءت قريبة من النفس.

فالبيت المتهالك صورة حسية.

والأطفال الحفاة صورة بصرية.

وضَحك الأقران صورة اجتماعية مؤلمة.

والزوجة التي تمنع دمعتها صورة نفسية.

والصقر المكسور الجناحين صورة رمزية.

أما «السبوق» فينقلنا من الواقع إلى عالم الصقور ليجعل القيد المادي مرئيًا في صورة طائر يريد الانطلاق ولا يستطيع.

وهذه الصورة تحديدًا تمنح القصيدة بعدًا رمزيًا واسعًا؛ فالصقر هو الرجل، والجناحان هما القدرة، والسبوق هو الفقر، والطيران هو الحياة الكريمة التي يتطلع إليها.

 

القافية التي تحمل الحكاية

وتساعد القافية الموحدة في «ـانه» على منح القصيدة نفسًا حكائيًا متصلًا؛ فكأن الأبيات حلقات في قصة واحدة.

من:

جيرانه، أحزانه، إيمانه

إلى:

ورعانه، حيرانة، أقرانه

ثم:

جنحانه، سيقانه، أركانه

حتى تنتهي إلى:

إخوانه، سبحانه

فتظل النغمة الواحدة حاضرة، بينما تتغير الصور والمعاني داخلها.

وهذا مناسب جدًا لطبيعة القصيدة؛ فهي أقرب إلى حكاية شعرية إنسانية تتقدم مشهدًا بعد مشهد حتى تصل إلى النداء الأخير.

 

الخاتمة: حين تكون النجدة إعادةً للكرامة

تنجح قصيدة «تكفون يا أهل الثروة» في أن تجعل القارئ يبدأ بالتعاطف مع رجل واحد، ثم ينتهي بالتفكير في مفهوم المروءة نفسه.

إنها لا تقول إن الفقير يحتاج المال فقط، وإنما تقول إنه يحتاج إلى أن يستعيد الأمان والستر والقدرة والكرامة.

الرجل يحتاج إلى بيت.

والأطفال يحتاجون إلى لباس يحفظ كرامتهم.

والأسرة تحتاج إلى الاستقرار.

والزوجة تحتاج إلى أن ترى زوجها قادرًا على الحركة من جديد.

والرجل نفسه يحتاج إلى أن يشعر أنه عاد قادرًا على أن يكون كما كان: كريمًا، معطاءً، عزيز النفس.

ولهذا جاءت صورة الصقر المكسور الجناحين في موضعها تمامًا؛ فالمطلوب ليس أن يُطعم الصقر وهو مقيد، وإنما أن تُصلح جناحيه وتزيل عنه القيد حتى يعود إلى التحليق.

وتبلغ القصيدة ذروتها الأخلاقية حين تقول:

«تكفون لاتنسوهم، أنتم هله واخوانه

والله ماينساكم ، رب الملا سبحانه»

فهنا تتحول النجدة من مساعدة فرد إلى علاقة أخوة ومروءة ومسؤولية أمام الله.

والجميل أن الشاعر لا يختم بوعد دنيوي، وإنما يرد المعروف إلى ميزان أعلى:

الله لا ينسى.

ومن ثم فإن القصيدة في جوهرها ليست قصيدة فقر بقدر ما هي قصيدة وفاء للإنسان حين تكسره الظروف، وقصيدة دعوة إلى أن تكون الثروة وسيلة لجبر الكسور لا مجرد تراكم للأموال.

ولعل أجمل ما يمكن أن تختصر به القصيدة كلها هو أن صاحبها لم يرَ في ذلك الرجل فقيرًا يحتاج إلى مال، وإنما رأى فيه صقرًا حرًا كسرت الحاجة جناحيه، ثم التفت إلى أهل الثروة وقال لهم: أعيدوا إليه جناحيه.

وهنا تكمن إنسانية القصيدة وجمالها.