نريد ولا نريد
قصيدة لا تنتقد الإعلام... بل تسأل: أيُّ إنسان نريد أن نصنع؟
مقدمة
بعض القصائد تولد من مناسبة، ثم تنتهي بانتهائها، وبعضها يتجاوز المناسبة التي قيلت فيها، لأن الشاعر لم يكتب عن حادثة عابرة، وإنما أمسك بسؤال يبقى حيًا مهما تغير الزمن.
وقصيدة «نريد ولا نريد» للشاعر عبد العزيز شداد الحيسوني الحربي من هذا النوع؛ فقد بدت في ظاهرها اعتراضًا على محتوى إعلامي يكثر فيه الإثارة والضجيج والتفاهة، لكنها في جوهرها أوسع من ذلك بكثير.
إنها قصيدة تسأل عن وظيفة الكلمة، وعن مسؤولية الإعلام، وعن علاقة المتعة بالمعرفة، وعن أثر ما نشاهده ونسمعه في تشكيل الذوق والوعي والسلوك.
والأهم أنها لا تقف عند حدود الرفض؛ فالشاعر لا يقول فقط: هذا ما لا نريد، بل يضع أمامه مشروعًا آخر:
نريد علمًا، وفكرًا، وأدبًا، وجمالًا، وترفيهًا نافعًا، وإعلامًا يحترم عقل الإنسان ومشاعره، ويستعيد شيئًا من القيم التي تاهت وسط ضجيج المشهد.
ولهذا تبدو القصيدة، بعد سنوات من كتابتها، وكأنها لا تتحدث عن زمن مضى، وإنما تفتح سؤالًا ما زال قائمًا:
ماذا نريد أن يدخل عقولنا وقلوبنا كل يوم؟
النص
متى ينزاح هم المفردة وتعانق الابداع
متى تقفز على صهوة خيال الفكر مسرورة
سئمنا من سواليف الحياة وسرعة الإيقاع
سئمنا من غثا حب الخنوع ومنطق الثورة
تعبنا من روايات الأسى والقهر والأوجاع
تعبنا من قنوات تبث أخبار محظورة
وصلنا مرحلة ماعاد نرغب نعرف الأوضاع
من إعلام الإثارة والدجل و الكذب والعورة
بلغنا من التفاهة والسفاهة حالة الإشباع
نريد أطباق مختلفة، روينا أكواب مخمورة
نريد إعلام ينهض بالعقول ويخلق استمتاع
يهمه مايفيد المجتمع ويقوم في دوره
نبي عالِم نبي كاتب نبي شاعر نبي صَنّاع
نبي واعي نبي داعي نبي قامات مشهورة
نريد إعلام يأخذ من عقول النخبة استقطاع
وينشر مالديهم من فكر وعلوم منثورة
نريد أفكار في قالب جميلٍ تطرق الأسماع
نريد أجمل براويزٍ تحيط بروعة الصورة
رقيّ الذوق والتعبير لو مايصل للإقناع
يحقق حالة استقرار للإنسان وشعوره
ترى الترفيه والإسعاد والإفراح والإمتاع
ماهي بالفن محصورة ولا التمثيل والكورة
ترى نقدر نطور ذاتنا بالصحف والمذياع
إذا الترفيه بالتعليم شعشع بالفضاء نوره
وترى التلفاز كلية علوم ومنفذ استطلاع
إذا صارت برامجنا بنور الفكر منشورة
ومتى صارت برامجنا تهاوى باتجاه القاع
تساقط مجتمعنا وانتكس ذوقه ومنظوره
متى كانت لنا متعة؟ عيوب المجتمع تنذاع؟
متى كانت فضائلنا بركام الكره مطمورة؟
متى التحريض والتعريض والتشهير والإقذاع
صنع قصة نجاح؟ إلاّ خلَق عاهات محفورة
نبي يـ إعلامنا الواعي تسوي نقطة استرجاع
تعيد اللي فقدنا من جمال أخلاق مذكورة
وانا لو جيت أعدد للمطالب كل وقتي ضاع
لكن اللي ذكرته وضّح المقصود والصورة
حين يتحول الشعر إلى سؤال عن وظيفة الكلمة
العنوان نفسه مفتاح القصيدة:
«نريد ولا نريد».
إنه عنوان يقوم على مقابلة واضحة بين النفي والإثبات، لكنه يحمل في داخله رؤية كاملة.
فالشاعر لا يرفض الإعلام، ولا الترفيه، ولا الفن، ولا الشهرة، وإنما يرفض أن تتحول هذه الأشياء إلى غايات فارغة من القيمة.
هو يريد إعلامًا آخر، وترفيهًا آخر، وشهرةً أخرى؛ يريد أن تصبح هذه الوسائل أدوات لبناء الإنسان لا لاستهلاكه.
ومن هنا تأتي أولى خصائص القصيدة:
إنها قصيدة اقتراح، وليست قصيدة اعتراض فقط.
فهي تبدأ بالضجر والسأم، ثم تنتقل إلى المطالبة، ثم تقدم تصورًا لما ينبغي أن يكون.
---
همُّ المفردة... حين تبحث اللغة عن الإبداع
يفتتح الشاعر قصيدته بسؤال لافت:
«متى ينزاح هم المفردة وتعانق الابداع
متى تقفز على صهوة خيال الفكر مسرورة»
وهذا البيت يمكن أن يكون بيانًا شعريًا للقصيدة كلها.
فالمشكلة ليست فقط في الأخبار التي تقدم، وإنما في المفردة التي أصبحت مستهلكة، وفي الكلام الذي يعيد نفسه حتى يفقد قدرته على التأثير.
والصورة في:
««تقفز على صهوة خيال الفكر»»
جميلة؛ إذ يتحول الخيال إلى فرس، ويتحول الفكر إلى فارس يمتطيه.
وهكذا لا يريد الشاعر فكرة جامدة، بل فكرة تنطلق، وتحلق، وتوقظ الخيال.
---
من الشبع إلى التخمة
يقول:
«بلغنا من التفاهة والسفاهة حالة الإشباع
نريد أطباق مختلفة، روينا أكواب مخمورة»
هنا تتحول التفاهة إلى طعام، والسفاهة إلى شراب.
لكن المفارقة أن الشبع هنا ليس شبعًا صحيًا؛ إنه تخمة بلا غذاء.
وهذه من أذكى صور القصيدة؛ فالإنسان قد يكون ممتلئًا بالمعلومات لكنه فارغ من المعرفة، وقد يكون محاصرًا بالأخبار لكنه محروم من الوعي.
لذلك يقول:
«نريد أطباق مختلفة»
وكأن المجتمع أمام مائدة إعلامية ضخمة، لكنه يبحث عن غذاء حقيقي للعقل والروح.
---
الفكرة الجميلة... لا الفكرة وحدها
من أجمل أبيات القصيدة:
«نريد أفكار في قالب جميلٍ تطرق الأسماع
نريد أجمل براويزٍ تحيط بروعة الصورة»
هنا يصل الشاعر إلى قضية جمالية بالغة الأهمية:
ليست المشكلة في الفكرة وحدها، وإنما في الطريقة التي تقدم بها.
فالفكرة العظيمة إذا قدمت في قالب منفّر قد لا تصل، والجمال إذا انفصل عن المعنى يتحول إلى زينة فارغة.
لذلك يريد الشاعر الاثنين معًا:
فكرًا نافعًا، وقالبًا جميلًا.
وهذه الفكرة تجعل القصيدة نفسها نموذجًا لما تطالب به؛ فهي تناقش قضية فكرية، لكنها تستخدم الصور والإيقاع والتكرار واللغة الشعبية القريبة من الناس.
إنها لا تطلب من الإعلام أن يكون نافعًا فقط، بل تطلب منه أن يكون ممتعًا في نفعه.
---
الترفيه ليس مرادفًا للفراغ
يقول:
«ترى الترفيه والإسعاد والإفراح والإمتاع
ماهي بالفن محصورة ولا التمثيل والكورة»
وهنا يعيد الشاعر تعريف الترفيه.
فالمتعة ليست حكرًا على الفن والتمثيل والرياضة، بل يمكن للإنسان أن يستمتع بالعلم، وبالقصة، وبالفكر، وبالسيرة، وبالحوار، وبالاكتشاف.
ومن هنا تأتي الفكرة الأكثر نضجًا:
«ترى نقدر نطور ذاتنا بالصحف والمذياع
إذا الترفيه بالتعليم شعشع بالفضاء نوره»
إنه يريد كسر الثنائية التقليدية بين التعليم والترفيه.
لماذا يجب أن يكون التعليم جافًا، والترفيه سطحيًا؟
ولماذا لا يصبح العلم ممتعًا، وتصبح المتعة طريقًا إلى المعرفة؟
هذه الفكرة لا تزال شديدة الصلاحية حتى اليوم.
---
التلفاز... كلية علوم
ثم يقول:
«وترى التلفاز كلية علوم ومنفذ استطلاع
إذا صارت برامجنا بنور الفكر منشورة»
التلفاز هنا ليس جهازًا، وإنما مؤسسة تعليمية مفتوحة.
وهذه صورة فلسفية للوسيلة الإعلامية:
الأداة ذاتها ليست مذنبة.
فالصحيفة تستطيع أن ترفع الوعي، كما تستطيع أن تنشر الضجيج.
والمذياع يستطيع أن يثري الروح، كما يستطيع أن يكرر الفراغ.
والتلفاز يمكن أن يكون جامعة، كما يمكن أن يكون سوقًا للابتذال.
إذن القضية ليست في الوسيلة، بل في القيمة التي تحملها الوسيلة.
---
حين يهبط الإعلام... يهبط الذوق
يقول:
«ومتى صارت برامجنا تهاوى باتجاه القاع
تساقط مجتمعنا وانتكس ذوقه ومنظوره»
هنا تتجاوز القصيدة نقد الإعلام إلى فلسفة المجتمع.
فالشاعر يرى علاقة بين ما يقدم على الشاشة وبين ما يحدث في الذوق العام:
البرنامج يهبط، فيهبط الذوق، ثم يتأثر المجتمع.
وهذه رؤية عميقة؛ لأن ما يدخل العين والأذن بصورة متكررة لا يبقى خارج الإنسان، بل يتسلل إلى ذوقه، ثم إلى معاييره، ثم إلى سلوكه.
فالإنسان ليس مجرد مستهلك للمحتوى، وإنما هو كائن يتشكل بالمحتوى الذي يستهلكه.
---
السؤال الأخلاقي: متى أصبح الألم ترفيهًا؟
من أكثر مواضع القصيدة قوة:
«متى كانت لنا متعة؟ عيوب المجتمع تنذاع؟
متى كانت فضائلنا بركام الكره مطمورة؟»
هنا لا يسأل الشاعر فقط عن الإعلام، بل يسأل عن أخلاق الإنسان.
هل يجوز أن تتحول فضيحة إنسان إلى مادة للمتعة؟
هل سقوط شخص يمكن أن يصبح برنامجًا ترفيهيًا؟
وهل كثرة مشاهدة الألم تجعلنا أكثر وعيًا، أم تجعلنا أقل إحساسًا؟
القصيدة تدافع هنا عن كرامة الإنسان حتى وهو مخطئ.
ولهذا يتجاوز بعدها الأخلاقي مجرد نقد الإعلام إلى نقد الطريقة التي نتعامل بها مع أخطاء الآخرين.
---
التحريض والتشهير... صناعة للأذى
يقول:
«متى التحريض والتعريض والتشهير والإقذاع
صنع قصة نجاح؟ إلاّ خلَق عاهات محفورة»
تراكم الكلمات:
التحريض، التعريض، التشهير، الإقذاع
يخلق إيقاعًا متصاعدًا، وكأن الشاعر يضع أمامنا طبقات متراكمة من الأذى اللفظي.
ثم تأتي المفارقة:
هل صنعت هذه الوسائل قصة نجاح؟
والجواب عنده واضح:
إنها لا تصنع نجاحًا، بل تخلق عاهات محفورة.
والعاهة هنا ليست جسدية، وإنما جرح نفسي واجتماعي قد يبقى أثره طويلًا.
---
«نقطة استرجاع»... أذكى استعارات القصيدة
ومن أكثر صور القصيدة ابتكارًا:
«نبي يـ إعلامنا الواعي تسوي نقطة استرجاع
تعيد اللي فقدنا من جمال أخلاق مذكورة»
استعار الشاعر مصطلحًا تقنيًا حديثًا: نقطة الاسترجاع، ثم نقله إلى المجال الأخلاقي.
فكأن المجتمع أخطأ المسار، وتراكمت عليه الأخطاء، وأصبح بحاجة إلى العودة إلى نقطة كان فيها أكثر توازنًا ونقاء.
لكن الشاعر لا يدعو إلى العودة إلى الماضي بمعنى رفض الحاضر، وإنما يريد استعادة الأخلاق، لا استعادة الزمن.
وهذه صورة ذكية لأنها تستخدم لغة العصر لتقديم مطلب أخلاقي قديم ومتجدد.
---
الشهرة... لمن يستحقها
ومن أجمل المطالب:
«نبي عالِم نبي كاتب نبي شاعر نبي صَنّاع
نبي واعي نبي داعي نبي قامات مشهورة»
هذا ليس مجرد تعداد.
إنه إعادة ترتيب لمعيار الشهرة.
الشاعر يريد أن تتجه الأضواء إلى:
العالم، والكاتب، والشاعر، والصانع، والواعي، والداعي، وصاحب الإنجاز.
أي أن الشهرة ينبغي أن تذهب إلى من يضيف، لا إلى من يثير.
إلى من يبني، لا إلى من يهدم.
إلى صاحب المنجز، لا إلى صاحب الضجيج.
وهذه في حقيقتها قضية حضارية؛ لأن المجتمعات تكشف أولوياتها من خلال الأشخاص الذين تجعلهم قدوة ومثالًا.
---
القصيدة بين الإعلام والمجتمع
وهنا تتسع الرؤية أكثر.
في البداية يبدو أن الشاعر ينتقد الإعلام.
لكن القصيدة في عمقها تنتقد الدائرة التي تربط الإعلام بالمجتمع.
الجمهور يطلب، والإعلام يقدم، والإعلام يعيد تشكيل الذوق، ثم يعود الجمهور فيطلب المزيد مما تعود عليه.
وهكذا تتشكل دائرة مغلقة:
ما نتابعه يكافئه السوق، وما يكافئه السوق يتكرر، وما يتكرر يؤثر في ذوقنا، وذوقنا يعود ليطلبه من جديد.
لذلك فالمسؤولية ليست على الإعلام وحده.
المشاهد أيضًا شريك.
فالاهتمام تصويت، والمتابعة مكافأة، والإعجاب قد يكون دعوة إلى المزيد.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي:
ماذا نكافئ بأعيننا ووقتنا واهتمامنا؟
---
القصيدة إنسانية قبل أن تكون إعلامية
الشاعر لا يتعامل مع المشاهد باعتباره رقمًا في إحصائية.
إنه يتعامل معه باعتباره إنسانًا له:
عقل، وذوق، ومشاعر، وأسرة، وأبناء، وكرامة، وحاجة إلى المعرفة والجمال.
ولهذا فإن القصيدة تدافع عن حق الإنسان في أن يرى شيئًا يرفعه، لا شيئًا يستنزفه.
وهنا تكمن إنسانيتها الأساسية:
الإعلام عند الشاعر ليس ما يظهر على الشاشة، بل ما يتركه ذلك الظهور في الإنسان.
---
شهادات القراء... حين تتسع القصيدة خارج حدودها
ولعل أجمل ما يؤكد اتساع أفق القصيدة تلك القراءات التي جاءت من بلدان عربية مختلفة.
كما يتضح من خلال التعليقات عليها بصفحة الفيس بوك:
https://www.facebook.com/share/p/192Dhbno6Z/
فالأستاذ بندر الجودي من السعودية قرأ فيها دعوة إلى الارتقاء بدور الكلمة، وربط بينها وبين أزمة الإعلام والثقافة وأثرهما في الوعي والنهوض الحضاري.
والأستاذ وليد إبراهيم من السودان رأى فيها انعكاسًا لهموم قطاع واسع من الناس، وقرأها من زاوية حماية الأسرة والقيم من الاستغلال الإعلامي.
أما الأستاذ محمود رمضان من ليبيا، فقد التقط منها صدق المقصد والإخلاص للإنسان والوطن، ورأى في إعادة نشرها فرصة لأن تجد «أذنًا تسمع أو عينًا تبصر».
في حين رأى الأستاذ أحمد حسن علي من اليمن أنها تحاكي واقع الإعلام العربي الذي هبط إلى القاع، وأن الشاعر لم يكتف بتشخيص الواقع وإنما عبّر عن التطلع إلى تغييره.
واللافت هنا أن هؤلاء القراء لم يتفقوا على قراءة واحدة.
وهذا في حد ذاته علامة على حيوية النص.
فكل قارئ وجد في القصيدة الجرح الذي يعرفه، والهم الذي يحمله.
وهذه من خصائص القصيدة التي تتجاوز مناسبتها:
أنها لا تمنح القارئ معنى واحدًا، بل تمنحه مرآة يرى فيها نفسه وواقعه.
---
بلاغة القصيدة... حين تخدم الصورة الفكرة
اعتمد الشاعر على مجموعة من الصور والاستعارات التي جعلت الأفكار المجردة محسوسة:
التفاهة أصبحت طعامًا، والسفاهة شرابًا.
والفكر أصبح نورًا.
والخيال أصبح صهوة.
والتلفاز أصبح كلية علوم.
والبرامج أصبحت قادرة على رفع المجتمع أو إسقاطه.
والأخلاق أصبحت شيئًا يمكن استرجاعه.
والفكر أصبح شيئًا يمكن أن يطرق الأسماع.
وهذا يفسر لماذا جاءت القصيدة قريبة من المتلقي رغم أنها تناقش قضايا فكرية وفلسفية.
فالشاعر لم يضع الفكرة في ثوب نظري، وإنما حوّلها إلى صور يستطيع القارئ أن يراها ويتذوقها.
---
التكرار... ليس حشوًا بل نبض القصيدة
كلمات مثل:
سئمنا، تعبنا، نريد، نبي، ترى، متى
تتكرر، لكنها تؤدي أدوارًا نفسية وفنية مختلفة.
«سئمنا» تعبر عن الإرهاق.
«تعبنا» تزيد من الإحساس بالضيق.
«نريد» تفتح باب الأمل.
«نبي» تمنح المطالبة حرارة شعبية مباشرة.
أما «متى» فتحول القصيدة إلى سؤال احتجاجي واستنهاضي.
ولهذا فإن التكرار هنا يشبه نبضًا متواصلًا يربط أجزاء القصيدة بعضها ببعض.
---
اللغة الشعبية... حين تحمل فكرة كبيرة
ومن جمال النص أنه لم يتخل عن لغته الشعبية القريبة:
«سواليف»، «غثا»، «نبي»، «ترى».
ومع ذلك لم تمنعه هذه اللغة من تناول قضايا كبيرة:
الإعلام، والوعي، والتعليم، والذوق، والأخلاق، والأسرة، والمجتمع.
وهذا يؤكد أن الشعر الشعبي ليس مضطرًا إلى التضحية بالفكرة العميقة من أجل البساطة.
فاللغة القريبة من الناس تستطيع أن تحمل فلسفة عميقة إذا امتلك الشاعر رؤية واضحة وصورة موفقة.
---
ما الذي يجعل القصيدة باقية؟
ليست قوة القصيدة في أنها قالت إن هناك إعلامًا سيئًا؛ فهذه فكرة يمكن أن تتكرر.
قوتها في أنها قالت:
ماذا نريد بدلًا منه؟
وهنا تتجاوز القصيدة الاحتجاج إلى الرؤية.
إنها تريد:
علمًا في قالب ممتع.
وفكرًا في صورة جميلة.
وترفيهًا لا يقتل العقل.
وشهرة لأهل الإنجاز.
وإعلامًا يحترم الأسرة.
ومحتوى يعيد للإنسان شيئًا من جمال أخلاقه.
ولهذا فإنها لا تزال قابلة للقراءة اليوم؛ لأن الوسائل تغيرت، والمنصات تغيرت، لكن السؤال بقي:
هل نستخدم الإعلام لصناعة الإنسان، أم نستخدم الإنسان لصناعة الإعلام؟
---
الخاتمة
في النهاية، لا تبدو «نريد ولا نريد» قصيدة عن الإعلام وحده.
إنها قصيدة عن الإنسان الذي يقف أمام هذا السيل الهائل من الصور والأخبار والأصوات، ويسأل: ماذا سيبقى مني بعد أن ينتهي كل هذا الضجيج؟
إنها قصيدة تدافع عن حق العقل في أن يجد غذاءه، وعن حق الروح في أن تجد جمالها، وعن حق الأسرة في أن تجد ما يحفظ قيمها، وعن حق المجتمع في إعلام يرفع ذوقه بدل أن يستثمر في ضعفه.
ولعل أجمل ما فيها أن الشاعر لم يكتفِ بأن يقول:
لا نريد.
بل ظل يكرر:
نريد.
نريد العالم، والكاتب، والشاعر، والصانع.
نريد الفكر حين يلبس ثوب الجمال.
نريد التعليم حين يصبح ممتعًا.
نريد الترفيه حين يضيف إلى الإنسان ولا ينتقص منه.
نريد الإعلام حين يكون جامعة، ومنفذًا للاستطلاع، ونورًا للفكر.
ونريد في النهاية نقطة استرجاع تعيد إلينا ما فقدناه من جمال الأخلاق.
وهنا يتضح أن عنوان القصيدة ليس مجرد عنوان، بل هو مشروعها كله:
نريد أن نتخلص مما يستهلك الإنسان، ونريد أن نستعيد ما يبنيه.
ولذلك فإن السؤال الذي بدأ به الشاعر رحلته لا يزال صالحًا لأن يكون سؤالنا نحن أيضًا:
«متى ينزاح هم المفردة وتعانق الإبداع؟»
ومتى تصبح الكلمة التي تدخل بيوتنا كل يوم، سببًا في أن يخرج منها إنسان أجمل عقلًا، وأرقى ذوقًا، وأرحب أفقًا، وأكرم خلقًا؟
ذلك هو الرهان الحقيقي.
وذلك، في جوهره، هو ما أرادت هذه القصيدة أن تقوله.